وأبو المعالي الجويني وغيرهما. وفَصْل النِّزاع بينهما أن ما يُدرك بالسمع أعمُّ وأشمل، وما يُدرك بالبصر أتمُّ وأكمل، فهذا له القوة والتمام، وذاك له العموم والإحاطة١.
والمقصود أن الأمور الغائبة عن الحسِّ نسبة المحسوس إليها كقطر في بحرٍ، ولا سبيل إلى العلم بها إلَّا بخبر الصَّادق، وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء، نبَّأهم من هذا الغيب بما يشاء، وأطلعهم منه على ما لم يُطلِع عليه غيرهم، كما قال تعالى: ﴿* مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَلَكِنَّ اَللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾[آل عمران: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ اِرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾[الجن: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿اِللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ اَلنَّاسِ إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[الحج: ٧٣].
فهو سبحانه يصطفي من يُطلعه من أنباء الغيب على ما لم يُطلع عليه غيره، ولذلك سُمِّي نبيًّا - من الإنباء وهو الإخبار - لأنه مخبَرٌ من جهة الله، ومخبِرٌ عنه، فهو منبَّأٌ ومنبِّئٌ. وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم، بل ولا أكثره.
ولهذا كان أكمل الأُمم علمًا أتباع الرُّسل، وإن كان غيرهم أحذق منهم
(١) وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية في «درء التعارض» (٧/ ٣٢٥) وفي «الرد على المنطقيين» (ص ٩٦) ونقله المصنف عنه في «بدائع الفوائد» (١/ ١٢٤). وقد توسَّع المصنف في بيان هذه المسألة في «بدائع الفوائد» (١/ ١٢٣ - ١٣٠، ٣/ ١١٠٦ - ١١٠٨).
في علم الرَّمل١ والنجوم والهندسة والقسطة٢ وعلم الكمِّ المتصل والمنفصل٣ وعلم النبض٤ والقارورة والأبوال ومعرفة قوامها وطعومها ورائحتها٥ ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها، وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به.
وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها وهي بين ظنون كاذبة، وإن بعض الظنِّ إثمٌ، وبين علوم غير٦ نافعة، ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع، وإن نفعت فنَفْعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها.
فليس العلم في الحقيقة إلَّا ما أخبرت به الرُّسل عن الله ﷿ طلبًا
(١) الرَّمل: علم يبحث فيه عن المجهولات، وهو خرافة. «المعجم الوسيط» (١/ ٣٧٤). وينظر: «أبجد العلوم» (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥) و«كشاف اصطلاحات العلوم» للتهانوي (١/ ٨٧٤).
(٢) كذا في «ح»، وبعض نسخ «هداية الحيارى» للمصنف (ص ٢٧٦). وليست هذه الكلمة في «م»، ولم أدر ما المقصود منها.
(٣) الكم: هو العرض القابل للانقسام بالذات، وهو على نوعين: متصل ومنفصل، فعلم الحساب: علم بالكم المنفصل، والهندسة: علم بالكم المتصل. ينظر: «مجموع الفتاوى» (٩/ ١٢٦) ... و«دستور العلماء» (٣/ ١٠٣).
(٤) النبض: ضربات الشرايين من انقباضات القلب، يستدل بها على حالة الجسم من صحة ومرض، يقال: جسَّ الطبيب نبضه. «المعجم الوسيط» (٢/ ٨٩٧). وقد تكلم ابن سينا عن النبض في «القانون» (١/ ١٦٨ - ١٨٢) في تسعة عشر فصلًا.
(٥) يشير إلى تحليل الأبوال في القارورة لمعرفة حال الصحة والمرض، وقد تكلم ابن سينا عن معرفة الأبوال في «القانون» (١/ ١٨٣ - ١٩٨) في اثني عشر فصلًا.