الأرض فتخرج تكلم النَّاس وتخاطبهم١، إلى غير ذلك ممَّا يُقيمون بعقولهم شُبهًا يُسمونها أدلةً عقليةً تُحيل ذلك، فمن قدَّم العقل على الوحي لم يمكنه أن يجزم بصدق شيءٍ من ذلك، والله المستعان.
الوجه الثَّاني والأربعون: أن هؤلاء عكسوا شِرعة الله وحكمته، وضادوه في أمره، فإن الله سبحانه جعل الوحي إمامًا، والعقل مؤتمًّا به، وجعله حاكمًا والعقل محكومًا عليه، ورسولًا والعقل مرسلًا إليه، وميزانًا والعقل موزونًا به، وقائدًا والعقل منقادًا له. فصاحب الوحي مبعوثٌ، وصاحب العقل مبعوثٌ إليه، والآتي بالشرع مخصوصٌ بوحي من الله، وصاحب العقل مخصوصٌ ببحثٍ عن رأيٍ وفكرةٍ، وصاحب الوحي ملقًّى٢، وصاحب العقل كادحٌ طالبٌ. هذا يقول: أُمرت، ونُهيت، وأُوحي إليَّ، وقيل لي، وما أقول شيئًا من تلقاء نفسي، ولا من قِبَل عقلي، ولا من جهة فكري ونظري. وذاك المتخلف يقول: نظرت، ورأيت، وفكرت، وقدَّرت، واستحسنت، واستنتجت.
والمتخلف يقول: معي آلة المنطق، والكليات الخمس٣، والمقولات
(١) جاء ذكرها في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ إِنَّ اَلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾[النمل: ٨٤]. وأخرج مسلم (٢٩٠١) عن حذيفة بن أسيد ﵁ خبرها.
(٣) الكليات الخمس: هي الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام. «المعجم الفلسفي» (٢/ ٢٣٩).
العشر١، والمختلطات، والموجهات٢ أهتدي بها. والرَّسول يقول: معي كتاب الله وكلامه ووحيه. والمتخلف يقول: معي العقل. والرَّسول يقول: معي نور خالق العقل، به أهدي وأهتدي. والرَّسول يقول: قال الله كذا، قال جبريل عن الله كذا. والمتخلف يقول: قال أفلاطون، قال بقراط، قال أرسطو كذا، قال ابن سينا، قال الفارابي.
فيُسمع من الرَّسول ظاهر التنزيل، وصحيح التأويل، وشرع سنة، وأمرٌ بمعروفٍ، ونهيٌ عن منكر، وخبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخبرٌ عن السماء والملائكة واليوم الآخر.
(٣) هيولى كل جسم: هو الحامل لصورته، كالخشب للسرير والباب، وكالفضة للخاتم والخلخال، وكالذهب للدينار والسوار. والهيولى يُسمى المادة والعنصر والطينة. والصورة تُسمى الشكل والهيئة والصيغة. «مفاتيح العلوم» للخوارزمي (ص ١٥٨).
(٤) الاستقص: الشيء البسيط الذي منه يتركب المركب. وتقدم (ص ٤٨٧).
(٥) الذاتي هو الوصف المقوم لماهية الشيء، والعرضي هو الوصف الخارج عن الماهية. ينظر «شرح الإشارات والتنبيهات» للطوسي (١/ ١٥١ - ١٥٣).
(٦) أي: الوجود والعدم. وينظر «العين» للخليل بن أحمد (٧/ ٣٠٠).
(٧) عكس النقيض: هو جعل نقيض الجزء الثاني من القضية الحملية جزءًا أولًا، ونقيض الأول ثانيًا مع بقاء الكيف والصدق بحالهما، فإذا قلنا: كل إنسان حيوان. كان عكسه: كل ما ليس بحيوان ليس بإنسان. «التعريفات» (ص ١٥٩).