الوجه الثَّالث والأربعون: أن العقل تحت حَجْر١ الشرع فيما يطلبه ويأمر به، وفيما يحكم به ويُخبر عنه، فهو محجورٌ عليه في الطلب والخبر، وكما أن من عارض أمر الرُّسل بعقله لم يُؤمن بهم وبما جاؤوا به؛ فكذلك من عارض [ق ٥٣ ب] خبرهم بعقله، ولا فرق بين الأمرين أصلًا. يُوضِّحه أن الله ﷾ حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم، كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم.
ونظير ذلك ممَّا عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكَّى، وقالوا تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ممَّا قتل الله. وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنَّ اَلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[الأنعام: ١٢٢]٢.
وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم، وقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركتَ الحقَّ، وإن كانت باطلًا فقد كنتَ على باطلٍ.
(١) الحَجْر: المنع من التصرف، ومنه: حَجَر القاضي على الصغير والسفيه: إذا منعهما من التصرف في مالهما. «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٤٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨١٨، ٢٨١٩) والنسائي في «السنن الكبرى» (٤٥١١) وابن ماجه (٣١٧٣) والحاكم (٤/ ١١٣، ٢٣١، ٢٣٣) والضياء في «المختارة» (١٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧) عن عبد الله بن عباس ﵄.
وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس - عدو الله ـ؛ فإنه أول من عارض أمر الله بعقله، وزعم أن العقل يقتضي خلافه.
وأما الثَّاني: وهو معارضة خبره بالعقل؛ فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم، فقال تعالى: ﴿* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ﴾[يس: ٧٧] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم، وعارضوا أخباره عن النُّبوات بعقولهم، وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم، وعارضوا أدلة نبوة رسوله بمعارضة عقلية، وهي قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا اَلْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزخرف: ٣٠]. وأنت إذا صُغتَ هذه المعارضة صوغًا مزخرفًا وجدتها من جنس معارضة المعقول للمنقول.
وعارضوا آيات نبوته بمعارضة عقلية أخرى وهي قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اُلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي اِلْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾[الفرقان: ٧ - ٨] أي: لو كان رسولًا لخالق السماوات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في الأسواق في طلب المعيشة، ولَأغناه عن أكل الطعام، ولَأرسل معه مَلَكًا من الملائكة، ولَألقى إليه كنزًا يُغنيه عن طلب الكسب.
وعارضوا شرعه سبحانه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده بمعارضةٍ عقليةٍ استندوا فيها إلى١ القَدَر، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ اُلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا