ذلك لها تأويل لا يعلمه إلَّا الله، ولا يعلم أحدٌ معناها، وما أُريد بها، وما دلَّت عليه= فَرُّوا إلى عقولهم ونظرهم وآرائهم.
فسدَّ هؤلاء باب الهدى والرشاد، وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد، وقالوا: قد أقررتم بأن ما جاءت به الرُّسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه، فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء، فإنَّا نحن نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه، ولا بيَّنوا مراد المتكلم به، وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل.
فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به [وترك]١ المنهي عنه،
(١) «ترك» ليس في «ح»، «م». وأثبته من «درء التعارض» (١/ ٢٠٦). وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٦٨): «تأويل الأمر والنهي: نفس فعل المأمور، ونفس ترك المحظور».
كما قال ابن عُيينة: «السُّنَّة تأويل الأمر والنهي»١. وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ. يتأوَّل القرآن»٢.
وأمَّا تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها، وذلك في حقِّ الله هو كُنْه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك٣ وربيعة٤: «الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ». وكذلك قال ابن الماجشون٥..........................
(١) ذكره ابن تيمية في «درء التعارض» (١/ ٢٠٦).
(٢) متفق عليه، وتقدم تخريجه (ص ٢٤).
(٣) أخرجه ابن المقري في «المعجم» (١٠٠٣) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٦٤) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٥) والصَّابوني في «عقيدة السلف» (ص ٣٨ - ٣٩) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٧) والذهبي في «العلو» (ص ١٣٩). وقال الذهبي: «هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به».
(٤) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٦٥) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٨) وابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (٧٤) والذهبي في «العلو» (ص ١٢٩). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٠): «أن الخلال رواه بإسناد كلهم أئمة ثقات».
(٥) هو عبد العزيز بن عبد الله بن سلمة الماجشون، وقد أخرجه عنه ابن بطة في «الإبانة» - كما في «المختار من الإبانة» (٥٩) - والذهبي في «العلو» (ص ١٢٩) وفي «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣١١ - ٣١٢) مطولًا. وعلَّقه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٨٧٣). وصححه الذهبي في «العلو»، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٢): «روى الأثرم في «السنة» وأبو عبد الله بن بطة في «الإبانة» وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب». فذكره.