الصواعق المرسلة

كما قال ابن عُيينة: «السُّنَّة تأويل الأمر والنهي»١. وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ. يتأوَّل القرآن»٢.

وأمَّا تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها، وذلك في حقِّ الله هو كُنْه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك٣ وربيعة٤: «الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ». وكذلك قال ابن الماجشون٥..........................

  1. (١) ذكره ابن تيمية في «درء التعارض» (١/ ٢٠٦).
  2. (٢) متفق عليه، وتقدم تخريجه (ص ٢٤).
  3. (٣) أخرجه ابن المقري في «المعجم» (١٠٠٣) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٦٤) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٥) والصَّابوني في «عقيدة السلف» (ص ٣٨ - ٣٩) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٧) والذهبي في «العلو» (ص ١٣٩). وقال الذهبي: «هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به».
  4. (٤) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦٦٥) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٨) وابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (٧٤) والذهبي في «العلو» (ص ١٢٩). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٠): «أن الخلال رواه بإسناد كلهم أئمة ثقات».
  5. (٥) هو عبد العزيز بن عبد الله بن سلمة الماجشون، وقد أخرجه عنه ابن بطة في «الإبانة» - كما في «المختار من الإبانة» (٥٩) - والذهبي في «العلو» (ص ١٢٩) وفي «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣١١ - ٣١٢) مطولًا. وعلَّقه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٨٧٣). وصححه الذهبي في «العلو»، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٢): «روى الأثرم في «السنة» وأبو عبد الله بن بطة في «الإبانة» وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب». فذكره.
570

والإمام أحمد١ وغيرهما من السلف: «إنَّا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنَّا نعلم تفسيره ومعناه».

وقد فسَّر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: إنهم تأوَّلُوها على غير تأويلها، وبيَّن معناها٢.

وكذلك الصَّحابة والتَّابعون فسَّروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصِّفات، كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية؛ كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنَّار، وإن لم يعلموا حقيقة كُنْهِه وكيفيته.

فمَن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلَّا الله بهذا المعنى؛ فهو حقٌّ. وأمَّا من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلَّا الله؛ فهذا غلطٌ، والصَّحابة والتَّابعون وجمهور الأمة على خلافه. قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها»٣. وقال عبد الله بن مسعود: «ما في [ق ٥٧ أ] كتاب الله

  1. (١) هذا معلوم من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وينظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة» (١/ ٢٧٦ - ٢٧٨).
  2. (٢) وذلك في كتاب «الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله».
  3. (٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٥٩) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٩١٨) والطبري في «التفسير» (١/ ٨٥) والحاكم (٢/ ٣٠٧).
571

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي