والإمام أحمد١ وغيرهما من السلف: «إنَّا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنَّا نعلم تفسيره ومعناه».
وقد فسَّر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: إنهم تأوَّلُوها على غير تأويلها، وبيَّن معناها٢.
وكذلك الصَّحابة والتَّابعون فسَّروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصِّفات، كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية؛ كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنَّار، وإن لم يعلموا حقيقة كُنْهِه وكيفيته.
فمَن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلَّا الله بهذا المعنى؛ فهو حقٌّ. وأمَّا من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلَّا الله؛ فهذا غلطٌ، والصَّحابة والتَّابعون وجمهور الأمة على خلافه. قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها»٣. وقال عبد الله بن مسعود: «ما في [ق ٥٧ أ] كتاب الله
(١) هذا معلوم من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وينظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة» (١/ ٢٧٦ - ٢٧٨).
(٢) وذلك في كتاب «الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله».
(٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٥٩) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٩١٨) والطبري في «التفسير» (١/ ٨٥) والحاكم (٢/ ٣٠٧).
آية إلَّا وأنا أعلم فيما أنزلت»١. وقال الحسن البصري: «ما أنزل الله آية إلَّا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها»٢. وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمدٍ عن شيءٍ إلَّا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه»٣. وقال الشعبي: «ما ابتدع قومٌ بدعةً إلَّا وفي كتاب الله بيانها»٤.
والمقصود أن من ادَّعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة، وأسلمها هذا المسلك الرَّابع، وقد علمتَ بطلانه. وإنما كان أقل بطلانًا لأنه لا يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله، فإن صاحبه يقول: لا أفهم من هذه النصوص شيئًا، ولا أعرف المراد بها، وأصحاب تلك المسالك تتضمن٥ أقوالهم تكذيب الله ورسوله، أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب. وبالله التوفيق.
الوجه السَّادس والخمسون: أن هؤلاء المعارضين للكتاب والسُّنَّة بعقلياتهم - التي هي في الحقيقة جهليات - إنما يبنون٦ أمرهم في ذلك على أقوالٍ مشتبهةٍ مجملةٍ٧ تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في
(١) أخرجه البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣).
(٢) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٩٧).
(٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٩٦).
(٤) لم نقف عليه مسندًا عنه، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «درء التعارض» (١/ ٢٠٨).