آية إلَّا وأنا أعلم فيما أنزلت»١. وقال الحسن البصري: «ما أنزل الله آية إلَّا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها»٢. وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمدٍ عن شيءٍ إلَّا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه»٣. وقال الشعبي: «ما ابتدع قومٌ بدعةً إلَّا وفي كتاب الله بيانها»٤.
والمقصود أن من ادَّعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة، وأسلمها هذا المسلك الرَّابع، وقد علمتَ بطلانه. وإنما كان أقل بطلانًا لأنه لا يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله، فإن صاحبه يقول: لا أفهم من هذه النصوص شيئًا، ولا أعرف المراد بها، وأصحاب تلك المسالك تتضمن٥ أقوالهم تكذيب الله ورسوله، أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب. وبالله التوفيق.
الوجه السَّادس والخمسون: أن هؤلاء المعارضين للكتاب والسُّنَّة بعقلياتهم - التي هي في الحقيقة جهليات - إنما يبنون٦ أمرهم في ذلك على أقوالٍ مشتبهةٍ مجملةٍ٧ تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في
(١) أخرجه البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣).
(٢) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٩٧).
(٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٩٦).
(٤) لم نقف عليه مسندًا عنه، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «درء التعارض» (١/ ٢٠٨).
(٥) «ح»: «تتضمون». والمثبت من «م».
(٦) «ح»: «يثبتون». والمثبت من «م».
(٧) «م»: «محتملة».
المعنى والإجمال في اللفظ يوجب تناولها بحقٍّ وباطلٍ، فبما فيها من الحقِّ يقبل من لم يُحِط بها علمًا ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يُعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء.
وهذا منشأ ضلال من ضلَّ من الأمم قبلنا. وهو منشأ البدع كلها، فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا لما قُبلت، ولبادر كل أحدٍ إلى ردِّها وإنكارها، ولو كانت حقًّا محضًا لم تكن بدعةً، وكانت موافقة للسُّنة؛ ولكنها تشتمل على حقٍّ وباطلٍ، ويلتبس فيها الحق بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا اُلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا اُلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: ٤١] فنهى عن لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، ولبسَه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره، فكذلك الحق إذا لُبِس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحقِّ، وتكلم بلفظٍ له معنيان، معنًى صحيح، ومعنًى باطل، فيتوهم السَّامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ.
وأمَّا الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان، هو حقٌّ من أحدهما، وباطلٌ من الآخر، فيُوهم١ إرادة الوجه الصحيح، ويكون مراده الباطل. فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبَّطةً، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوًى وتعصُّب؟! فسَلْ مثبِّت القلوب أن يثبِّت قلبك على دينه، وألَّا يوقعك في هذه الظُّلمات.
قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في «الرد على الجهمية»٢: «الحمد لله