فقوله: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام» هو الذي له وجهان، يخدعون به جهال النَّاس، كما يُنَفِّق أهل الزَّغَل٢ النقد المغشوش الذي له [ق ٥٧ ب] وجهان، يخدعون به من لم يعرفه من النَّاس، فلا إله إلَّا الله كم قد ضلَّ بذلك طوائف من بني آدم لا يُحصيهم إلَّا الله.
واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسُّنَّة وهو التوحيد - الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عن أضدادها، وعبادته وحده لا شريك له - فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض، ثم دعوا النَّاس إلى التوحيد، فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم، وظنَّ أن ذلك التوحيد هو الذي دعت إليه الرُّسل.
والتوحيد اسم لستة معانٍ: توحيد الفلاسفة، وتوحيد الجهمية، وتوحيد القدرية الجبرية، وتوحيد الاتحادية؛ فهذه الأربعة أنواعٍ من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها، ودلَّ على بطلانها العقل والنقل.
فأمَّا توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الربِّ الزَّائدة على وجوده، وإنكار صفات كماله، وأنه لا سمع له ولا بصر، ولا قدرة ولا حياة، ولا إرادة ولا كلام، ولا وجه ولا يدين، وليس فيه معنيان متميزٌ أحدهما عن الآخر البتَّةَ. قالوا: لأنه لو كان كذلك لكان مركبًا، وكان جسمًا مؤلَّفًا، ولم يكن واحدًا من كل وجهٍ. فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يُحَسُّ
(١) الوضيعة: الخسارة. «النهاية في غريب الحديث» (٥/ ١٩٨).
(٢) الزَّغَل: الغش. كما تقدم (ص ٢١٤).
ولا يُرى، ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل الجوهر الفرد يمكن وجوده، وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة ربِّ العالمين يستحيل وجوده.
فلمَّا اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾[البقرة: ١٦٢] وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾[المائدة: ٧٥] نزَّلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي، وقالوا: لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدًا، وكان مركبًا مؤلَّفًا.
فسَمَّوْا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء، وهو التوحيد، وكَسَوْه ثوبه، وسمَّوا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت - وهو صفات الربِّ، ونعوت كماله - بأقبح الأسماء، وهو التركيب والتَّأليف. فتولَّد من بين هذه التسمية المنكرة للمعنى الصحيح وتلك التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحدُ حقائق أسماء الربِّ وصفاته، بل وجحدُ ماهيته وذاته، وتكذيبُ رسله. ونشأ من نشأ على اصطلاحهم - مع إعراضه عن استفادة الهُدى والحق من الوحي - فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه، فجعله أصلًا لدينه؛ فلما رأى ما جاءت به الرُّسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل.
التوحيد الثَّاني: توحيد١ الجهمية، وهو مشتقٌّ من توحيد الفلاسفة، وهو نفي صفات الربِّ، كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوِّه على عرشه، ونفي وجهه ويديه. وقُطْب رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته.