الصواعق المرسلة

التوحيد الثَّالث: توحيد القدرية الجبرية، وهو إخراج أفعال العباد أن تكون فعلًا لهم، وأن تكون واقعة بكسبهم أو إرادتهم، بل هي نفس فعل الله، فهو الفاعل لها دونهم، ونسبتها١ إليهم وأنهم فعلوها ينافي التوحيد عندهم.

التوحيد الرَّابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود، وأن الوجود عندهم واحدٌ، ليس عندهم وجودان: قديم وحادث، وخالق ومخلوق، وواجب وممكن؛ بل الوجود عندهم واحدٌ بالعين. والذي يُقال: له الخَلْق المُشبَّه هو الحق المُنَّزه، والكل من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة.

فهذه الأنواع الأربعة سمَّاها أهل الباطل توحيدًا، فاعتصموا بالاسم من إنكار المسلمين عليهم، وقالوا: نحن الموحدون. ودعوا النَّاس إلى الباطل باسم التوحيد، فجعلوه جُنَّةً وتُرْسًا ووقايةً. وسَمَّوُا التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنبياءه تركيبًا وتجسيمًا وتشبيهًا، وجعلوا هذه الألقاب له سهامًا وسلاحًا يُقاتلون بها أهله، فتترَّسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة، وقاتلوهم بالأسماء الباطلة، التي سَمَّوْا بها ما بعث الله به رسوله، فقاتلوهم باسم التركيب والتجسيم والتشبيه، وتترسوا منهم باسم التوحيد والتنزيه.

وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع: «فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»٢.

فهذا توحيد الرَّسول المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق

  1. (١) «ح»: «نسبتها». والمثبت من «م».
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).
577

عليها الحمد، ولإثبات الأفعال التي استحق بها أن يكون مُنعِمًا، ولإثبات القُدرة والمشيئة، والإرادة والتصرف، والغضب والرضا، والغنى والجود، الذي [ق ٥٨ أ] هو حقيقة ملكه. وعند الفلاسفة والجهمية والمعطلة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك.

والله يعلم أنَّا لم نُجازف في نسبة ذلك إليهم، بل هو حقيقة قولهم. فأي حمدٍ لمن لا يسمع ولا يُبصر، ولا يعلم ولا يتكلم، ولا يفعل، ولا هو في هذا العالم ولا خارج عنه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمنته١ ولا عن يَسْرته. وأي نعمةٍ لمن لا يقوم به فعلٌ البتَّةَ، وأي مُلْكٍ لمن لا وَصْفَ له ولا فِعْلَ؟

فانظر إلى توحيد الرُّسل، وتوحيد من خالفهم! ومن العجب أنهم سَمَّوْا توحيد الرُّسل شركًا وتجسيمًا وتشبيهًا، مع أنه غاية الكمال، وسَمَّوْا تعطيلهم واتحادهم ونفيهم توحيدًا، وهو غاية النقص، ثم نسبوا أتباع الرسل إلى نقص الربِّ، وقد سلبوه كل كمالٍ، وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال، وقد نزَّهوه عنه. فهذا توحيد الملاحدة والجهمية والمعطلة.

وأمَّا توحيد الرُّسل فهو إثبات صفات الكمال له سبحانه، وإثبات كونه فاعلًا بمشيئته وقدرته واختياره، وأن له فعلًا حقيقة، وأنه وَحْدَه الذي يستحق أن يُعبد ويُخاف ويُرجى ويُتوكل عليه، فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذُّل. وليس لخلقه من دونه وكيلٌ ولا وليٌّ ولا شفيعٌ، ولا واسطةَ بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه، وفي تفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، وإجابة

  1. (١) «ح»: «يمينه». واللفظ غير منقوط في «م»، والمثبت هو الأنسب للسياق.
578

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي