الصواعق المرسلة

ومبتدعٍ، يُلقِّب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة.

فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السَّامع جثة من الجثث الكثيفة، أو بدنًا له حاملٌ يحمله.

وإذا قالوا: «مركبًا» صوروا في ذهنه أجزاءً كانت متفرقة فركبها مركِّبٌ، وهذا حقيقة المركب لغةً وعرفًا.

فإذا قالوا: «يلزم أن تَحُلَّه الحوادث» صوروا في ذهنه ذاتًا تَعتَوِر عليها الآفات وحوادث الزمان.

وإذا قالوا: «لا تقوم به الأعراض» صوروا في الذهن ذاتًا تنزل١ بها الأعراض النَّازلة بالمخلوقين، كما مثَّل النبي ﷺ ابن آدم وأمله وأجله والأعراض إلى جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا٢.

وإذا قالوا: «يقولون بالحيز والجهة» صوروا في الذهن موجودًا محصورًا بالأحياز.

وإذا قالوا: «لزم الجبر٣». صوروا في الذهن قادرًا ظالمًا يجبر الخلق على ما لا يريدون، ويعاقبهم على ما لا يفعلون.

وإذا قالوا: «أنتم نواصب» صوروا في الذهن قومًا نصبوا العداوة لآل رسول الله ﷺ وأهل بيته واستحلُّوا حُرُماتهم.

  1. (١) «ح»: «نزل». والمثبت من «م».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٤١٧).
  3. (٣) «ح»: «الحيز». والمثبت من «م».
594

وإذا قالوا لمن قال أنا مؤمن إن شاء الله: «شكاكًا» صوروا في الذهن قومًا يَشُكُّون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله ولقائه، لا يجزمون بذلك.

وإذا قالوا لمن أثبت الصِّفات: «إنه مشبِّهٌ» صوروا في الذهن قومًا يقولون: إن الله مثلهم، وله وجهٌ كوجوههم، وسَمْعٌ كأسماعهم، وبصرٌ كأبصارهم، ويدان كأيديهم، ونزولٌ كنزولهم، واستواءٌ كاستوائهم، وفرحٌ كفرحهم.

وإذا قالوا: «حشوية» صوروا في ذهن السَّامع قومًا قد حشوا في الدين ما ليس منه وأدخلوه فيه، وهو حشوٌ لا أصل له.

= فتنفر القلوب من هذه الألقاب وأهلها. ولو ذكروا حقيقة قولهم١ لما قَبِلَت العقول السليمة والفطر المستقيمة سواه، والله يعلم وملائكته ورسله - وهم أيضًا - أنهم بَراءٌ من هذه المعاني الباطلة، وأنهم أبعد الخلق منها، وأن خصومهم جمعوا بين أذى الله ورسوله بتعطيل صفاته، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقعدوا تحت قوله [ق ٦٠ ب]: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ فِي اِلدُّنْيا وَاَلْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ٥٧ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اَكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].

أفيظن الجاهلون أنَّا نجحد صفات ربنا، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلُّمَه بالقرآن العربي، وتكليمه لموسى حقيقةً كلامًا أَسْمَعه إيَّاه بغير واسطةٍ، وننكر سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته ووجهه

  1. (١) «ح»: «كقولهم». والمثبت من «م».
595

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي