الكريم ويديه - وكلتا١ يديه يمين - اللتين يقبض سماواته بإحداهما والأرض بالأخرى٢، ورؤية وجهه الكريم في جنات عدن، ومحبته ورضاه، وفرحه بتوبة التَّائبين، ونزوله إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق؛ لأسماءٍ سمَّوْها هم وسلفهم ما أنزل الله بها من سلطان، وألقابٍ وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأتِ بها سُنةٌ ولا قرآن، وشُبهاتٍ قذفت بها قلوب ما استنارت بنور الوحي، ولا خالطتها بشاشة الإيمان، وخيالاتٍ هي بتخيلات٣ الممرورين٤ وأصحاب الهَوَس٥ أشبه منها بقضايا العقل والبرهان، ووهمياتٍ نِسْبَتُها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب إلى الأبصار في القيعان، وألفاظٍ مجملةٍ ومعانٍ مشتبهةٍ قد لُبس فيها الحق بالباطل، فصار ذا خفاءٍ٦ وكتمان.
فدعونا من هذه الدعاوي الباطلة التي لا تفيد إلَّا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان، وحاكمونا إلى الوحي والميزان، لا إلى منطق يونان، ولا إلى قول فلان ورأي فلان. فهذا كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان، وهذه سُنة رسوله مطابقة له أعظم من مطابقة البنان للبنان٧. وهذه أقوال أعقل الأمم
(١) «ح»: «اللتين كلتا».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «م»: «تخييلات».
(٤) يعني: المجانين، كما تقدم (ص ١٤١).
(٥) الهَوَسُ: طَرَفٌ من الجنون. «الصحاح» (٣/ ٩٩٢).
(٦) «ذا خفاء» تحرف في «ح» إلى: «داحضًا». والمثبت من «م».
بعده والتَّابعين لهم بإحسان، لا يختلف منهم في هذا الباب اثنان١، ولا يوجد عنهم فيه قولان متنافيان. بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصِّفات، وعلو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وإثبات تكلمه وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله كتتابع الأسنان. وقالوا للأُمة: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، وإلى مَن بعدكم إلى آخر الزمان، وهذا هو الذي نادى به المنادي، وأذَّن به على رءوس الملأ في السِّر والإعلان، فحيَّ
على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان، وحيَّ على الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن، والصلاة خير من النوم في ظلمة ليلِ الشكوك والإفك والكفران. فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه - وصدَّقه المؤمنون - بأنه تائهٌ في بيداء الآراء والمذاهب حيران، وأنه لم يصل إلى اليقين بشيءٍ منها، لا هو ولا مَن قبله من أمثاله على تطاول الأزمان، وأن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك والحيرة ولقلقة اللسان٢.
فالحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وخصَّهم بكمال العقول، وصحة الفِطَر، ونور البرهان، وجعلهم هداةً مهتدين، مستبصرين مبصرين، أئمة للمتقين، يهدون بأمره، ويبصرون بنوره، ويدعون إلى داره، ويحاربون٣ كل مُفتَّنٍ فتَّان٤، فحيَّ على خير العمل بمتابعة المبعوث
(١) «ح»: «إثبات». والمثبت من «م».
(٢) اللقلق: اللسان، واللقلقة: صوته، وكل صوت في اضطراب، أو شدة الصوت. «القاموس المحيط» (ص ٩٢٢).