الصواعق المرسلة

وعصره - فوُسع له ذلك الباب حتى خرج منه١.

وانْسُبْ إليه أيضًا شيئًا بقدر الحبة ترسله في مدينةٍ عظيمةٍ من أعظم المدن فيأكل المدينة وكل من فيها، ثم يقبل على نفسه فيأكلها، وهو النَّار.

وانسب إليه أيضًا شيئًا بقدر بِزر الخَشْخاش٢ يحمله الإنسان بين ثيابه مدةً، فينقلب حيوانًا يتغذى بورق الشجر بُرهةً، ثم إنه يبني على نفسه قِبابًا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناءً محكمًا متقنًا، فيقيم٣ في ذلك البناء مدةً من الزمان لا يتغذى بشيءٍ البتةَ، فينقلب في القبة طائرًا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودًا يمشي على بطنه، فيفتح على نفسه باب القبة ويطير، وذلك دود القز.

إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا ممَّا يُشاهد بالعيان ممَّا لو حُكي لمن لم يره لَعَجِبَ من عقل مَن حكاه له، وقال: وهل يُصدِّق بهذا عاقل؟! وضرورة العقل تدفع هذا. وأقام الأدلة العقلية على استحالته.

فقال٤ في النَّائم مثلًا: القوى الحساسة أسباب لإدراك الأمور الوجودية

  1. (١) قد تكلم المصنف ﵀ على مراحل خلق الجنين وعجيب صنع الله سبحانه فيه في مواضع كثيرة، منها: «التبيان في أيمان القرآن» (١/ ٦٠٨ - ٦٠٩) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥٣٨ - ٥٤٣).
  2. (٢) نبات حولي، يُستخرج الأفيون من ثماره، واحدته خشخاشة. «المعجم الوسيط» (١/ ٢٣٥).
  3. (٣) «ح»: «فيقم». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «فقام». والمثبت من «م».
603

وآلة لها فمن لا يُدرك الشيء مع وجودها واستجماعها ووفورها فلأن١ يتعذر عليه إدراكه مع عدمها٢ وبطلان أفعالها أولى وأحرى. وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يُعارض بها خبر الأنبياء، والحس والعيان يدفعه.

ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها وله أدنى بيانٍ يُمْكِنه أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثيرٍ من الأمور المشاهدة المحسوسة، وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تُعارض بها النصوص أو أصح منها.

وانسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرُّسل عن الله وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر، وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها، وما لم نذكره ولم يخطر لنا ببالٍ أعجب من ذلك بكثيرٍ، تَجِدْ تصديقَ العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور، ولولا المشاهدة لكذب بها. فيا لِلَّه العَجَبُ كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به الرُّسل بعد أن رأى وعاين وسمع ما لولا الحسُّ لأنكره غاية الإنكار! ومن هاهنا قال من صحَّ عقله وإيمانه: إن نسبة العقل إلى الوحي أدق وأقل بكثيرٍ من نسبة مبادئ سنِّ٣ التمييز إلى العقل.

  1. (١) «ح»: «فأن». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «وجودها». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «منادى شز». وفي «م»: «مبادئ». ولعل المثبت هو الصواب.
604

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي