وآلة لها فمن لا يُدرك الشيء مع وجودها واستجماعها ووفورها فلأن١ يتعذر عليه إدراكه مع عدمها٢ وبطلان أفعالها أولى وأحرى. وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يُعارض بها خبر الأنبياء، والحس والعيان يدفعه.
ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها وله أدنى بيانٍ يُمْكِنه أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثيرٍ من الأمور المشاهدة المحسوسة، وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تُعارض بها النصوص أو أصح منها.
وانسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرُّسل عن الله وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر، وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها، وما لم نذكره ولم يخطر لنا ببالٍ أعجب من ذلك بكثيرٍ، تَجِدْ تصديقَ العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور، ولولا المشاهدة لكذب بها. فيا لِلَّه العَجَبُ كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به الرُّسل بعد أن رأى وعاين وسمع ما لولا الحسُّ لأنكره غاية الإنكار! ومن هاهنا قال من صحَّ عقله وإيمانه: إن نسبة العقل إلى الوحي أدق وأقل بكثيرٍ من نسبة مبادئ سنِّ٣ التمييز إلى العقل.
(١) «ح»: «فأن». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «وجودها». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «منادى شز». وفي «م»: «مبادئ». ولعل المثبت هو الصواب.
الوجه الستون: أن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات الصَّانع - بل نفيه١ بالكلية لازم قولهم لزومًا بيِّنًا - ولا أن العالم مخلوقٌ له، ولا يمكنهم إقامة الدليل على استحالة إلهين، ولا يمكنهم إقامة دليلٍ واحدٍ على استحالة كون الصَّانع جسمًا، ولا يمكنهم إثبات كونه عالمًا ولا قادرًا ولا ربًّا؛ فهم عاجزون عن إثبات [ق ٦٢ أ] وجود الصَّانع، فضلًا عن تنزيهه.
ونقتصر من هذه الجملة على بيان عجزهم عن إثبات وجوده سبحانه، فضلًا عن تنزيهه عن صفات كماله، فنقول: المُعارِضون بين الوحي والعقل في الأصل هم الزنادقة المنكرون للنبوات وحدوث العالم والمعاد، ووافقهم في هذا الأصل الجهمية والمعطلة لصفات الربِّ وأفعاله، والطَّائفتان لم تُثبت٢ للعالم صانعًا البتةَ، فإن الصَّانع الذي أثبتوه وجوده مستحيلٌ، فضلًا عن كونه واجب الوجود قديمًا.
أمَّا زنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعًا لفظًا لا معنًى، ثم لبَّسوا على النَّاس وقالوا: إن العالم صُنْعُه وفِعْلُه وخَلْقُه. وهو في الحقيقة عندهم غير مصنوعٍ ولا مخلوقٍ ولا مفعولٍ، ولا يمكن على أصلهم أن يكون العالم مخلوقًا ولا مفعولًا. قال أبو حامد٣: «وذلك لثلاثة أوجه: وجه في الفاعل، ووجه في الفعل، ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل.