أمَّا الذي في الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون مريدًا مختارًا عالمًا بما يريده حتى١ يكون فاعلًا لما يريده، والله تعالى عندهم ليس مريدًا، بل لا صنعة له أصلًا، وما يصدر عنه فيلزم لزومًا ضروريًّا.
والثَّاني: أن العالم قديمٌ عندهم، والفعل هو الحادث.
والثَّالث: أن الله تعالى عندهم واحدٌ من كل وجهٍ، والواحد لا يصدر عنه عندهم إلَّا واحدٌ، والعالم مركب من مختلفات، فكيف يصدر عنه؟!».
قال٢: «ولنحقق وجه كل واحدٍ من هذه الوجوه الثلاثة مع جدالهم في دفعه، فنقول: الفاعل عبارةٌ عمَّن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار مع العلم بالمراد، وعندهم أن العالم مع الله كالمعلول مع العلة يلزم لزومًا ضروريًّا لا يتصور من الله دفعه، لزومَ٣ الظل للشخص والنور للشمس، وليس هذا من الفعل في شيءٍ. بل من قال: إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل، فقد تَجَوَّزَ٤ وتوسَّع في التجوُّز توسعًا خارجًا عن الحدِّ، واستعار اللفظ واكتفى٥ بوقوع المشاركة بين المستعار له والمستعار عنه٦ في وصفٍ واحدٍ، وهو أن الفاعل سبب على الجملة، والسراج سبب للضوء، والشمس سبب للنور. والفاعل لم يُسمَّ فاعلًا صانعًا
(١) «ح»، «م»: «حين». والمثبت من «تهافت الفلاسفة».
(٢) «تهافت الفلاسفة» (ص ١٣٤ - ١٣٥).
(٣) في «تهافت الفلاسفة»: «كلزوم».
(٤) «ح»، «م»: «جاوز». والمثبت من «تهافت الفلاسفة».
(٥) «تهافت الفلاسفة»: «اكتفاء».
(٦) «تهافت الفلاسفة»: «منه».
بمجرد كونه سببًا، بل بكونه سببًا على وجه الإرادة والاختيار، حتى لو قال قائل: الجدار ليس بفاعلٍ، والحجر ليس بفاعلٍ، والجماد ليس بفاعلٍ، وإنما الفعل للحيوان = لم ننكر ذلك، ولم يكن قوله كذبًا. وللحجر فعلٌ عندهم، وهو الهُوِيُّ إلى السفل والميل إلى المركز، كما أن للنار فعلًا، وهو التسخين، وللحائط فعلًا، وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل؛ لأن ذلك صادرٌ عنه، وهذا محالٌ».
قال١: «فإن قيل: كل موجودٍ ليس بواجب الوجود لذاته، بل هو موجودٌ بغيره، فإنا نُسمي ذلك الشيء مفعولًا، ونُسمي سببه فاعلًا، ولا نُبالي كان المسبب فاعلًا بالطبع أو بالإرادة، كما أنكم لا تُبالون أنه كان فاعلًا بآلةٍ أو بغير آلةٍ، بل الفعل٢ جنسٌ ينقسم إلى ما يقع بآلةٍ وإلى ما يقع بغير آلةٍ، فكذلك هو جنسٌ ينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار، بدليل أنَّا إذا قلنا: فِعْلٌ بالطبع، لم يكن قولنا «بالطبع» ضدًّا لقولنا «فعل» ولا دفعًا ولا نقضًا له، بل كان بيانًا لنوع الفعل، كما إذا قلنا: فعل مباشرةً٣ بغير آلةٍ، لم يكن نقضًا، بل كان تنويعًا وبيانًا، وإذا قلنا: فعل بالاختيار، لم يكن تَكرارًا، بل كان بيانًا لنوع الفعل، كقولنا: فعل بآلةٍ. ولو كان قولنا «فعل» يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث إنه فعل لكان قولنا «فعل بالطبع» متناقضًا كقولنا: فعل وما فعل.
قلنا٤: هذه التسمية فاسدةٌ. لا يجوز أن يُسمَّى كل سببٍ بأي وجهٍ كان
(١) «تهافت الفلاسفة» (ص ١٣٥ - ١٣٨).
(٢) «ح»: «لعقل». والمثبت من «م»، «تهافت الفلاسفة».
(٣) «ح»: «مباشر». والمثبت من «م»، «تهافت الفلاسفة».