ولكن لمَّا كان الجمع بالإرادة وتأثير النَّار بغير إرادة سُمي قاتلًا، ولم تُسمَّ النَّار قاتلة إلَّا بمعنى الاستعارة، فعُلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته، وإذا لم يكن الله مريدًا عندهم ولا مختارًا للفعل١ لم يكن صانعًا ولا فاعلًا إلَّا مجازًا.
فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلًا أنه سبب لوجود كل موجودٍ سواه، وأن العالم قوامه به، ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم، ولو قدر عدم الباري لانعدم العالم، كما لو قدر عدم الشمس لانعدم الضوء، فهذا ما نعنيه بكونه فاعلًا، فإن كان الخصم يأبى أن يُسمي هذا المعنى فعلًا فلا مشاحَّة٢ في الأسامي بعد ظهور المعنى.
قلنا: غرضنا أن نبيِّن أن هذا المعنى لا يُسمى فعلًا وصنعًا، وإنما يُسمى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقةً، وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل، ونطقتم بلفظه تجملًا بالإسلام٣، ولا يتم الدِّين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن المعاني، فصرِّحوا بأن الله لا فعل له، حتى يتضح أن معتقدكم مخالفٌ لدين المسلمين، ولا تُلَبِّسوا بقولكم إن الله صانع العالم، وإن العالم صنعه؛ فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها. ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط». ثم ساق الكلام إلى آخر المسألة.
قلت: ولا ريب أن أصولهم التي عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصَّانع، فضلًا عن كونه صانعًا للعالم؛ بل تجعله ممتنع الوجود، فضلًا عن
(١) «تهافت الفلاسفة»: «لفعل العالم».
(٢) أي: لا مضايقة ولا منازعة. «الكليات» للكفوي (ص ٩٧٠).
(٣) «تهافت الفلاسفة»: «بالإسلاميين».
كونه واجب الوجود؛ لأن الصِّفات التي وصفوه بها صفات معدومٍ ممتنعٍ في العقل والخارج، فلا العقل يتصوره١ إلَّا على سبيل الفرض الممتنع كما يفرض المستحيلات، ولا يمكن في الخارج وجوده، فإن ذاتًا هي وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد عن كل ماهية، ولا صفة لها البتة، ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم، ولا هي هذا العالم ولا صفة من صفاته، ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه، ولا متصلة به ولا منفصلة عنه، ولا محايثة له ولا مباينة، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره٢، ولا تُرى ولا يمكن أن تُرى، ولا تدرِك شيئًا، ولا تُدرك هي بشيءٍ من الحواس، ولا هي متحركة ولا ساكنة، ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية، ولا تُنعت٣ بشيءٍ من الأمور الثبوتية = هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود، فضلًا عن وجوبه. وتكليف العقل بالاعتراف بوجود هذه الذَّات ووجوبها كتكليفه الجمع بين النقيضين، ومعلوم أن مثل هذه الذَّات لا تصلح لفعلٍ ولا ربوبيةٍ ولا إلهيةٍ، وأي ذاتٍ فُرضت في الوجود فهي أكمل منها.
فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة من كل ما يُقدر مستحيلًا. فلا يكثر عليهم بعد هذا إنكارهم لصفاته، كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه، فضلًا عن استوائه على عرشه ونزوله [ق ٦٣ أ] إلى سماء الدنيا، ومجيئه وإتيانه، وفرحه وحبه، وغضبه