كونه واجب الوجود؛ لأن الصِّفات التي وصفوه بها صفات معدومٍ ممتنعٍ في العقل والخارج، فلا العقل يتصوره١ إلَّا على سبيل الفرض الممتنع كما يفرض المستحيلات، ولا يمكن في الخارج وجوده، فإن ذاتًا هي وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد عن كل ماهية، ولا صفة لها البتة، ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم، ولا هي هذا العالم ولا صفة من صفاته، ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه، ولا متصلة به ولا منفصلة عنه، ولا محايثة له ولا مباينة، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره٢، ولا تُرى ولا يمكن أن تُرى، ولا تدرِك شيئًا، ولا تُدرك هي بشيءٍ من الحواس، ولا هي متحركة ولا ساكنة، ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية، ولا تُنعت٣ بشيءٍ من الأمور الثبوتية = هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود، فضلًا عن وجوبه. وتكليف العقل بالاعتراف بوجود هذه الذَّات ووجوبها كتكليفه الجمع بين النقيضين، ومعلوم أن مثل هذه الذَّات لا تصلح لفعلٍ ولا ربوبيةٍ ولا إلهيةٍ، وأي ذاتٍ فُرضت في الوجود فهي أكمل منها.
فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة من كل ما يُقدر مستحيلًا. فلا يكثر عليهم بعد هذا إنكارهم لصفاته، كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه، فضلًا عن استوائه على عرشه ونزوله [ق ٦٣ أ] إلى سماء الدنيا، ومجيئه وإتيانه، وفرحه وحبه، وغضبه
(١) «ح»: «يتصور». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «يسرته». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «نفعت». والمثبت من «م».
ورضاه. فمَن هدم قواعد البيت من أصلها هان عليه هدم السقف والجدران! ولهذا كان حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر، وإنكار الخالق بالكلية، وقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا اَلدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا اَلدَّهْرُ﴾[الجاثية: ٢٣]. وإنما صانعوا المسلمين بألفاظٍ لا حقيقة لها.
واشتق إخوانهم الجهمية النفي والتعطيل من أصولهم، فسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده١ بمشاركتهم لهم في الأصل المذكور، وإن باينوهم في بعض لوازمهم، كإثباتهم كون الربِّ تعالى قادرًا مريدًا فاعلًا بالاختيار، وإثباتهم معاد الأبدان والنبوة، ولكن لم يثبتوا ذلك على الوجه الذي جاءت به الرُّسل، ولا نفوه نفي إخوانهم الملاحدة، بل اشتقوا مذهبًا بين المذهبين، وسلكوا طريقًا بين الطريقين، لا للملاحدة فيه وافقوا، ولا للرسل اتبعوا.
ولهذا عظمت بهم البلية على الإسلام وأهله بانتسابهم إليه، وظهورهم في مظهرٍ ينصرون به الإسلام، ويردون به على الملاحدة، فلا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، بل أتباع الرُّسل كفَّروهم وضلَّلوهم، وصاحوا بهم من أقطار الأرض: امتازوا من المسلمين أيها المعطلون، وانحازوا إلى إخوانكم من الملاحدة الذين هم بربهم يعدلون، وخَلُّوا عن نصوص الوحي، فكم بها تتلاعبون، فمرةً تقولون: هي أدلةٌ لفظيةٌ معزولةٌ عن إفادة العلم واليقين. ومرةً تقولون: هي مجازات واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين. ومرةً تقولون: لا سبيل إلى تحكيمها والالتفات إليها وقد عارضها المعقول وقواطع البراهين. ومرةً تقولون: أخبار آحادٍ فلا يُحتجُّ بها في المسائل