الصواعق المرسلة

القطعية التي يُطلب منها اليقين. فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء الدِّين، وكنتم بذلك لهم موافقين، فصالوا عليكم به فيما أثبتموه، وكنتم به من الإسلام وأهله متقربين، وصال عليكم المسلمون١ بما وافقتم فيه إخوانكم من الضلال المبين، فتدافعكم الفريقان تدافع الكرة بين الضَّاربين.

فدعونا من التلبيس والمصانعة، بالله هل أثبتم للعالم ربًّا بائنًا عنه، وهل عندكم فوق العرش إلهٌ يُعبد، ويُصلى له ويسجد، أم ليس فوق العرش إلَّا العدم الذي لا شيء هو؟ وهل أثبتم لصانع العالم سبحانه صفةً ثبوتيةً تقوم به، فهل أثبتم له علمًا حقيقةً، وسمعًا وبصرًا، وحياة ومشيئة وإرادة حقيقةً؟ وهل تعتقدون أنه تكلم أو كلَّم أحدًا حقيقةً، أو أمر أو نهى، أو قال أو يقول، أو نادى أو يُنادي، أو أخبر أو نبَّأ أو أنبأ، أو عَهِدَ أو وصَّى، أو خاطب أو ناجى، أو أثنى على نفسه أو على أحدٍ من خلقه، أو قال قط: ﴿إِنَّنِيَ أَنَا اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٣] أو نزل من عنده شيءٌ، أو صعد إليه شيءٌ، أو قام به فعل البتة يجب أن٢ يكون به فاعلًا، أو قام به حُبٌّ أو بغضٌ، أو رضًا أو سُخْط، أو له وجهٌ أعلى، أو خَلَقَ آدم بيديه، أو أَغرَسَ٣ جنة عدنٍ بيده، أو كتب التوراة بيده٤، أو يقبض سماواته السبع بيده والأرضين السبع بيده٥، أو كتب بيده كتابًا فهو عنده موضوعٌ على العرش أن رحمته سبقت غضبه٦،

  1. (١) «ح»: «المسلمين».
  2. (٢) «أن» ليس في «ح».
  3. (٣) كذا في «ح» وهو صحيح؛ يقال: غرس الشجر يغرسه: أثبته في الأرض، كأغرسه. «القاموس المحيط» (ص ٥٦١).
  4. (٤) تقدم تخريجه.
  5. (٥) تقدم تخريجه.
  6. (٦) أخرجه البخاري (٣١٩٤) ومسلم (٢٧٥١) عن أبي هريرة ﵁.
613

أو يراه أنبياؤه ورسله والمؤمنون في دار الجزاء، فضلًا عن أن يتجلى لهم من فوقهم يضحك إليهم١ ويُسلِّم عليهم؟!

فبالله٢ هل لهذا كله عندكم حقيقةٌ؟! أم إذا تجملتم وأجملتم قلتم: كل ذلك مجازاتٌ واستعاراتٌ ليس له حقيقة.

فاسألوا بالله إذًا إخوانكم من أرباب المعقولات هل يُصدِّق أحدٌ منكم أن إنسانًا خُلق من ترابٍ، وأنه يعود حيًّا بعدما صار إلى التراب.

وأن عصًا انقلبت فصارت حيةً عظيمةً أكلت ما مرَّت عليه، ثم انقلبت فصارت عصًا كما كانت.

وأن يدًا خرجت بيضاء لها ضوء مثل ضوء الشمس.

وأن بحرًا٣ من بحار العالم انفلق بعسكرٍ عظيمٍ اثني عشر طريقًا، وصار الماء بين الطُّرُق كالحيطان.

وأن جبلًا قُلع من موضعه على قدر عسكرٍ عظيمٍ، ووقف على رؤوسهم بين السماء والأرض - وهم ينظرون إليه عيانًا - ثم عاد إلى مكانه.

وأن حجرًا مربعًا يُحمل مع قومٍ يُضرب بعصًا فينفجر منه اثنا عشر نهرًا، كل نهرٍ لطائفةٍ عظيمةٍ يختصون بمشربه، لا يَشرَكهم فيه الآخرون.

وأن قتيلًا ضُرب بعضوٍ من بقرةٍ مذبوحةٍ فقام القتيل حيًّا.

  1. (١) أخرج مسلم (١٩١) عن جابر بن عبد الله ﵄ ذكر الورود على النار والشفاعة، وفيه: «فيتجلى لهم يضحك».
  2. (٢) «ح»: «فباره». ولعل المثبت هو الصواب.
  3. (٣) «ح»: «بحارا».
614

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي