الصواعق المرسلة

كَمْ رَامَ قَبْلَكَ ذَاكَ مِنْ مُتَلَدِّدٍ١... حَيْرَانَ عاشَ مَدَى الزَّمانِ جَهُولَا

مَا زَالَتِ الشُّبُهاتُ تَغْزُو قَلْبَهُ٢... حَتَّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلَا

فَتَرَاهُ بِالْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ وَالذْذَاتِيِّ وَالعَرَضِيِّ٣ طُولَ زَمَانِهِ مَشْغُولَا
فَإِذَا أَتَاهُ الْوَحْيُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُوَيَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ عِدَاهُ مَثِيلَا
وَيَقُولُ تِلْكَ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌمَعْزُولَةٌ عَنْ أَنْ تَكُونَ دَلِيلَا
وَإِذَا تَمُرُّ عليهِ قَالَ لَهَا٤ اذْهَبِينَحْوَ الْمُجَسِّمِ أَوْ خُذِي التَّأْوِيلَا
وَإِذَا أَبَتْ إِلَّا النُّزُولَ عَلَيْهِ كَانَ لَهَا الْقِرَى التَّحْرِيفَ وَالتَّبْدِيلَا
فَيَحِلُّ بالْأَعْدَاءِ ما تَلْقَاهُ مِنْكَيْدٍ يَكُونُ لِحَقِّهَا تَعْطِيلَا
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا بِعُمْيَانٍ خَلَوْافي ظُلْمَةٍ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلَا
فَتَصَادَمُوا بِأَكُفِّهِمْ وَعِصِيِّهِمْضَرْبًا يُدِيرُ رَحَى الْقِتَالِ طَوِيلَا
حَتَّى إِذا مَلُّوا الْقِتَالَ رَأَيْتَهُمْمَشْجُوجًا٥ اوْ مَفْجُوجًا٦ اوْ مَقْتُولَا
  1. (١) «ح»: «متلذذ». والمثبت من «م»، يقال: تلدد فلان: إذا تلفت يمينًا وشمالًا وتحير متبلدًا، مأخوذ من لديدَيِ الوادي أي: جانبيه. «تاج العروس» (٩/ ١٣٧).
  2. (٢) «ح»: «قبله». والمثبت من «م».
  3. (٣) كذا في «ح»، «م»، وزيادة قوله «والعرضي» تفسد الوزن.
  4. (٤) «ح»: «لا». والمثبت من «م».
  5. (٥) الشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيءٍ فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. «الصحاح» (١/ ٣٢٣) و«النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٤٤٥).
  6. (٦) فج الأرض: شقها شقًّا بالغًا. «المعجم الوسيط» (٢/ ٦٧٤).
618
وَتَسَامَعَ الْعُمْيَانُ حَتَّى أَقْبَلُوالِلصُّلْحِ فَازْدَادَ الصِّيَاحُ عَوِيلَا١

يوضحه:

الوجه الحادي والستون: وهو أن الطُّرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين الوحي والعقل في إثبات الصَّانع هي بعينها تنفي وجوده، فإنها متضمنةٌ لنفي صفاته وأفعاله صريحًا، وهي تنفي وجوده لزومًا؛ فإن هؤلاء المعارضين صنفان: الفلاسفة والجهمية:

أمَّا الفلاسفة فأثبتوا وجود الصَّانع بطريق التركيب، وهو أن الأجسام مركبة، والمركب يفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقرٍ ممكنٌ، والممكن لا بد له من وجود واجبٍ، وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجهٍ من الوجوه؛ إذ يلزم تركيبه وافتقاره، وذلك ينافي وجوبه. وهذا هو غاية توحيدهم، وبه أثبتوا الخالق على زعمهم، ومعلومٌ أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق؛ فإنه ينفي قدرته ومشيئته وعلمه وحياته؛ إذ لو ثبتت له هذه الصِّفات - بزعمهم - لكان مركبًا، والمركب مفتقرٌ إلى غيره، فلا يكون واجبًا بنفسه.

وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه، وقد انتدب لإفسادها جنود الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فإن المركب لفظٌ مجملٌ، يُراد به ما ركَّبه غيره، وما كا ن متفرقًا فاجتمعت أجزاؤه، [ق ٦٤ أ] وما يمكن تفريق بعضه عن بعضٍ، والله سبحانه منزَّهٌ عن هذه التراكيب، ويُراد به في اصطلاح هؤلاء: ما له ماهيةٌ خاصةٌ يتميز

  1. (١) هذه القصيدة لم نقف عليها في غير «الصواعق» و«مختصره»، ولعلها للإمام ابن القيم نفسه.
619

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي