الصواعق المرسلة

بها عن سائر الماهيات، وما له ذاتٌ وصفاتٌ بحيث يتميز بعض صفاته عن بعضٍ. وهذا ثابتٌ للربِّ١ سبحانه، وإن سمَّاه هؤلاء تركيبًا كما تقدم٢.

وكذلك لفظ الافتقار لفظٌ مجملٌ، يُراد به فقر الماهية إلى موجدٍ غيرها يتحقق٣ وجودها به؛ والله سبحانه غنيٌّ عن هذا الافتقار. ويُراد به أن الماهية مفتقرةٌ في ذاتها إلى ذاتها، ولا قوام لذاتها إلَّا بذاتها، وأن الصفة لا تقوم بنفسها، وإنما تقوم بالموصوف، وهذا المعنى حقٌّ، وإن سمَّاه هؤلاء المُلبِّسون فقرًا.

وكذلك لفظ الغَيْر فيه إجمالٌ، يراد بالغيرين ما [جازت]٤ مفارقة أحدهما للآخر ذاتًا أو مكانًا أو زمانًا، فصفات القديم سبحانه ليست غيرًا له بهذا الاعتبار. ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، وهذا المعنى حقٌّ في ذاته وصفاته سبحانه، وإن سمَّاها هؤلاء٥ أغيارًا.

فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة بعد صفة، وقد قال أعلم الخلق به: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»٦. وهذا لكثرة أسمائه وصفات٧ كماله ونعوت جلاله. وقال: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ

  1. (١) «للرب» من «م».
  2. (٢) تقدم (ص ٥٨٩ - ٥٩٠).
  3. (٣) «ح»: «بتحقيق». والمثبت من «م».
  4. (٤) زيادة يقتضيها السياق.
  5. (٥) بعده في «ح»: «ولا». وهي زائدة ليست في «م».
  6. (٦) أخرجه مسلم (٤٨٦).
  7. (٧) «ح»: «صفاته». والمثبت من «م».
620

بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ». والمستعاذ به غير المستعاذ منه.

والمقصود أن تسمية هذا تركيبًا وافتقارًا وغيرًا وضعٌ وضعه١ هؤلاء، وليس الشأن في الألفاظ، إنما الشأن في المعاني. وقولهم: «إنه مفتقر إلى جزئه» تلبيسٌ، فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له تمتنع أن تفارقه صفاته، وليست له حقيقة غير الذَّات الموصوفة حتى يُقال: إن تلك الحقيقة مفتقرةٌ إلى غيرها، وإن سُمِّيت تلك الصفة غيرًا. فالذَّات والصفات متلازمان٢ لا يوجد أحدهما إلَّا مع الآخر، وهذا التلازم لا يقتضي حاجة الذَّات والصفات إلى موجدٍ أوجدها وفاعلٍ فعلها، والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرًا إلى ما هو خارجٌ عن نفسه. فأمَّا ألَّا يكون له صفة ولا ذات، ولا يتميز منه أمرٌ عن أمرٍ، فلا يلزم ذلك من وجوبه وكونه غنيًّا بنفسه عن كل ما سواه. فقول الملبِّس: «إنه مفتقرٌ إلى ذلك» كقوله: «لو كان له ماهية لكان مفتقرًا إلى ماهيته».

والله سبحانه اسم للذات المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال، ليس اسمًا لذاتٍ مجردةٍ عن الأوصاف والنعوت، فكل ذاتٍ أكمل من هذه الذَّات، تعالى الله عن قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوًّا كبيرًا.

والمقصود أن هذه الطريق التي سلكها هؤلاء في إثبات الصَّانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده، وكذلك كان سالكوها لا يؤمنون بالله ولا بملائكته وكتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر، وإن صانع من صانع منهم

  1. (١) «ح»: «وضعية». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «ملازمان». والمثبت من «م».
621

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي