الصواعق المرسلة

إلى عباده، وعندهم أن الله لا يتكلم ولا يقوم به كلامٌ.

وأمَّا اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلَّا١ بإثباته. وهو في الحقيقة باطلٌ لا أصل له٢، والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال، وأدلته متعارضة، وكثيرٌ منهم له قولان في إثباته ونفيه.

وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء، ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا: إن الله سبحانه يُعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدمًا محضًا، ثم يُعيد المعدوم ويقلبه وجودًا حتى إنه يُعيد زمنه بعينه ويُنشئه لا من مادة كما قالوا في المبدأ، فجنوا على العقل والشرع، وأَغرَوْا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرُّسل.

وأمَّا المبدأ فإنهم قالوا: كان الله سبحانه معطلًا في الأزل، والفعلُ غير ممكنٍ - مع قولهم كان قادرًا عليه - ثم صار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا من٣ غير تجدد أمرٍ أصلًا، وانقلب الفعل من الامتناع الذَّاتي إلى الإمكان الذَّاتي، وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة.

فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها بين الوحي والعقل، وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربًّا ولا رسالةً ولا مبدأً ولا معادًا، ونحن إنما أشرنا إلى ذلك أدنى إشارةٍ، وإلا فبَسْط ذلك في غير هذا الموضع. وقد بسطه شيخنا في عامة كتبه المطولات والمبسوطات، وبيَّنه بيانًا شافيًا؛ فمن أحب

  1. (١) «ح»: «لا». والمثبت من «م».
  2. (٢) ينظر «درء التعارض» (٤/ ١٣٥ - ١٣٦).
  3. (٣) «من» سقط من «ح». وأثبته من «م».
624

الوقوف عليه وجده في مظانِّه. وبالله التوفيق.

الوجه الثَّاني والستون: أن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع عظائم:

إحداها: ردهم لنصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

الثَّانية: إساءة الظنِّ [بالوحي]١ وجعله منافيًا للعقل مناقضًا له.

الثَّالثة: جنايتهم على العقل بردِّهم ما يوافق النصوص من المعقول؛ فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل يردها أظهر للعقل من معارضته لها.

الرَّابعة: تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن خالفهم في أصولهم التي اخترعوها وأقوالهم التي ابتدعوها، مع أنها مخالفةٌ للعقل والنقل، فصوَّبوا رأي مَن تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل، وخطَّؤوا مَن تمسك بما يوافقهما، وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورًا ولم يشرق على قلبه نور النُّبوة.

الوجه الثَّالث والستون: أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ الأدلة؛ لأن العقل الصحيح لا يكذب، والوحي أصدق منه، وهما دليلان صادقان، فإذا تعارضا تكافآ، فإن لم يُقدِّم أحدهما بقي في الحيرة والشك، وإن قدَّم أحدهما على الآخر أبطل موجب الدليل الصحيح وأخرجه عن كونه دليلًا، فيبقى حائرًا بين أمرين لا بد له من أحدهما: إمَّا أن يُسيء الظنَّ بالوحي أو بالعقل، والعقل عنده أصل الوحي فلا يمكنه أن يُسيء الظنَّ به، فيسطو على الوحي تارةً بالتحريف والتأويل، وتارةً بالتخييل،

  1. (١) «بالوحي» زدته ليستقيم السياق.
625

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي