الصواعق المرسلة

في الدَّار الآخرة - محكمًا، وجعلوا النصوص الدَّالة على خلاف تلك القواعد والأصول متشابهة، يُقضى بتلك القواعد عليها، وتُرد النصوص إليها. فتارةً يحرفون النصوص عن مواضعها، ويُسمون ذلك التحريف تأويلًا في اللفظ وتنزيهًا في المعنى، وتارةً يقول من تجمَّل منهم فأحسن: أراد الله ورسوله من هذه النصوص أمورًا لا نعرفها ولا ندري ما أراد. وتارةً يقولون: قصد خطاب الجمهور، فأفهمهم١ الأمر على خلاف حقيقته؛ لأن مصلحتهم في ذلك. وتارةً يفسرون صفةً بصفةٍ، كما يُفسرون الحبَّ والبغض والغضب والرضا والرحمة بالإرادة والسمع والبصر والكلام بالعلم، ثم يجعلون ذلك نفس الذَّات، ومنهم من يجعل العلم نفس المعلوم، كما قاله أفضل متأخريهم عندهم، وأجهلهم بالله وأكفرهم، نصير الكفر والشرك: الطوسي.

فأمَّا أهل العلم والإيمان فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجهٍ. يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يُعتمد عليه، ويُردُّ ما يتنازع النَّاس فيه إليه، فما وافقه كان حقًّا، وما خالفه كان باطلًا. وإذا ورد عليهم لفظٌ مشتبهٌ ليس في القرآن ولا في السُّنَّة لم يتلقَّوْه بالقبول ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده، فإن كان حقًّا موافقًا للعقل والنقل قَبِلوه، وإن كان باطلًا مخالفًا للعقل والنقل ردُّوه، ونصوص الوحي عندهم أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدِّموا عليها ألفاظًا مجملةً لها معانٍ مشتبهة. وبنوا أصولهم على أربع قواعد:

إحداها: بيان أن٢ ما جاء به الوحي هو الهُدى والحق واليقين.

  1. (١) «ح»: «فإفهامهم».
  2. (٢) «ح»: «أن البيان».
627

الثَّانية: بيان أن ما يُقدَّر من الاحتمالات المعارضة لظاهره وحقيقته باطلٌ لغةً.

الثَّالثة: بيان أن ما يُدَّعى أنه معارض لذلك من العقل فهو باطلٌ.

الرَّابعة: بيان أن العقل موافقٌ له معاضدٌ، لا معارضٌ مناقضٌ.

﴿فَأَيُّ اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٣].

الوجه الخامس والستون: أن هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل قد فارقوا العقل والنقل، فلا عقل ولا نقل، وهم الذين يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ اِلسَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١].

أمَّا النقل فإنهم قد سمحوا بمفارقته، وهان عليهم أمره.

وأمَّا العقل فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به النقل لاستحيوا من أهل العقل الذين هم أهله. فإن هؤلاء يجعلون الاثنين واحدًا والواحد اثنين، والمستحيل واجبًا والواجب ممتنعًا، والكلي جزءًا من المعين الجزئي، والمعدوم موجودًا والموجود معدومًا، والثَّابت منتفيًا والمنتفي ثابتًا، ويفرِّقون بين الشيء ونظيره في الحكم، ويحملون على الشيء بحكم ضده ونقيضه، وينفون١ النقيضين تارةً، ويثبتونهما تارةً، ويثبتون الشيء وينفون لازمه البيِّن [اللزوم، وينفون اللازم]٢ ويثبتون ملزومه.

فيجعلون الصفة هي عين الصفة الأخرى، ثم يجعلونها هي نفس الموصوف، كما يقولون: العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، والسمع هو

  1. (١) «ح»: «يعرفون». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) «ح»: «للزوم اللام». والمثبت ما يقتضيه السياق.
628

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي