الصواعق المرسلة

البصر. ثم يقولون: إن ذلك هو نفس العالم القادر المريد [ق ٦٥ ب] ويجعلون تارةً العلم هو المعلوم، وتارةً يجعلون الفعل هو عين المفعول.

ويجعلون الصفة التي لا تقوم إلَّا بمحل قائمة بنفسها، كما يقولون: الربُّ تعالى مريدٌ بإرادةٍ قديمةٍ لا في محلٍّ.

ويجعلون الأمر هو عين النهي، وهما عين الخبر، وهو١ عين الاستفهام.

ويجعلون وجود الربِّ تعالى وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق أو بلا شرطٍ، ثم يُصرِّحون بأن المطلق لا وجود له في الخارج.

ويجعلون الشيء المعين كهذا الإنسان مثلًا عدة جواهر حيوانًا وناطقًا وحساسًا، ويجعلون كلًّا من هذه الجواهر غير الآخر، ومعلومٌ أنه جوهرٌ واحدٌ له صفات متعددة.

ويُفرِّقون بين المادة والصورة، ويجعلونهما٢ جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما، والمعقول قيام الصِّفات بالموصوفات والأعراض بالجواهر.

ويجعلون الصور الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات للمادة، وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلَّا النفس النَّاطقة إذا فارقت البدن بالموت، والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة، فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها.

ويجعلون المعدوم الممتنع الذي لا يُتصور وجوده هو الواجب الذي

  1. (١) «ح»: «وهي».
  2. (٢) «ح»: «ويجعلونها».
629

يمتنع عدمه، كما أثبتوا صانع العالم وجودًا مطلقًا مقيدًا بسلب الأمور الثبوتية، ليس له ماهية غير ذلك الوجود.

ويثبتون كونه حيًّا بلا حياةٍ، وعالمًا بلا علمٍ، وقادرًا بلا قدرةٍ.

إلى أضعاف أضعاف ذلك من ضلالهم في عقلياتهم التي جعلوها معارضة للوحي، وقدَّموها عليه. وكلما تدبَّر العاقل الذكي المنصف أحوال هؤلاء ومن وافقهم على بعضها تبيَّن له أن القوم لا عقل ولا نقل، و١ تفصيل هذا يستدعي بسطًا طويلًا، والله المستعان.

الوجه السَّادس والستون: أن هؤلاء في معارضتهم للوحي سلكوا طريقًا سحروا بها عقول ضعفاء النَّاس وبصائرهم، فشُبهت عليهم، وخُيل إليهم أنها حقٌّ، فأصابهم في ذلك مثل ما أصاب السحرة حين عارضوا٢ عصى موسى بما خُيل إلى أبصار النَّاظرين أنه حقٌّ. فإن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظٍ مجملةٍ تحتها معانٍ مشتبهةٌ تحتمل في لغات الأُمم معاني متعددة، وأدخلوا فيها من المعاني غيرَ المفهوم منها في لغات الأُمم، ثم ركَّبوها وألَّفوها تأليفًا طويلًا بنوا بعضه على بعضٍ، ففكَّروا فيه وقدَّروا، وأطالوا التفكير والتقدير، ثم عظَّموا قولهم وهوَّلوه في نفوس من لم يفهمه.

ولا ريب أن فيه دقةً وغموضًا، لما فيه من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطَّالب وسمع منهم٣ ما تنفر عنه فطرته، فأخذ يعترض عليهم، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، وهذا أمرٌ قد

  1. (١) بعده في «ح»: «لا».
  2. (٢) «ح»: «رضوا». ولعل المثبت هو الصواب.
  3. (٣) «ح»: «معهم».
630

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي