صقلته الأذهان على تطاول الأزمان، وتلقَّته العقول بالقبول والتسليم، وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم١. فيبقى ما في النفوس من الحمية والأنفة يحملها على تسليم تلك الأمور قبل تحقيقها، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل، فيأخذها مُسلَّمةً، فإذا جاءت لوازمها لم يجد بُدًّا من التزامها، ويرى أن التزام تلك اللوازم أهون عليه من القدح في تلك القواعد وإبطالها. فهذا أصلُ ضلال من ضلَّ من أهل النظر والبحث في المعقولات، وأمَّا الأعمى المُقلِّد فليس معه أكثر من: هكذا قال العقلاء. وهذا القدر الذي وقع من ضلال هؤلاء لم يقصده عقلاؤهم ابتداءً؛ بل كان قصدهم تحصيل العلوم والمعارف، ولكن أخطؤوا بطلبها من غير طريقها؛ فضلوا وأضلوا.
وقد سُئل شيخنا ﵁ عن بعض رؤساء هؤلاء ممَّن له علمٌ وعقلٌ وسلوكٌ وقصدٌ ثم٢ أخطأ الصواب، فقال: «طَلَبَ الأمور العلية من غير الطُّرق النبوية فقادته قسرًا إلى المناهج الفلسفية»٣.
وما أحسن ما قال! فإن من طلب أمرًا عاليًا من غير طريقه لم يحصل إلَّا على ضدِّه. فالواجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وأمثالهم ألَّا يوافقهم على لفظٍ مجملٍ حتى يتبيَّن معناه ويعرف مقصوده، فيكون الكلام في معنى معقولٍ يتوارد النفي والإثبات فيه على محلٍّ واحدٍ، لا في لفظ مجملٍ مشتبه المعنى. وهذا نافعٌ في الشرع والعقل والدِّين والدُّنيا، وبالله التوفيق.
(١) ينظر «مفتاح دار السعادة» للمصنف (١/ ٤٤٦).
(٢) كذا في «ح»، والأصوب: «لِمَ».
(٣) لم أقف عليه إلا في كتابنا هذا، ولعل المصنِّف تلقاه عن شيخه ابن تيمية شفاهًا.
الوجه السَّابع والستون: أن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدَّموا بين يدي رسوله، وأن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعضٍ، وحذَّرهم من حبوط أعمالهم بذلك؛ فقال [ق ٦٦ أ]: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اِللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاَتَّقُوا اُللَّهَ إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١ يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اِلنَّبِيِّ ...﴾ الآية [الحجرات: ١ - ٢]. فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه، فأي تقدُّمٍ أبلغ من تقديم عقله على ما جاء به؟! قال غير واحدٍ من السلف: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر١.
ومعلوم قطعًا أن من قدَّم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى النَّاس لهذا النبي، وأشدهم تقدُّمًا بين يديه. وإذا كان سبحانه قد نهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه وما جاء به؟! ومن المعلوم قطعًا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلَّا الكفار والمنافقون٢، فهم الذين حكى الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم، وصارت تلك المعارضة ميراثًا في أشباههم، كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه وأمره بقضائه وقدره، ووَرِثَهم في هذه المعارضة طائفتان:
(١) أقرب ما وجدت إلى هذا المعنى في تفسير الآية قول مجاهد بن جبر: «لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيءٍ حتى يقضيه الله على لسانه». «تفسير مجاهد» (ص ٦١٠). وأخرجه الطبري في «التفسير» (٢١/ ٣٣٦) ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٧٢٥) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١/ ٣١٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٤٢٩) والهروي في «ذم الكلام وأهله» (٥٦٤). والافتيات: افتعالٌ من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يُؤتمر. «الصحاح» (١/ ٢٦٠).