أصحابه وتلاميذه أنها قواطع عقلية، وقال: إن قدَّمتم الوحي عليها فسدت عقولكم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اَلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[الأنعام: ١٢٢] ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شُبَهٌ عقليةٌ.
[ق ٦٦ ب] الوجه التَّاسع والستون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به الوحي، وذلك من وجوهٍ:
أحدها: أنه قياس في مقابلة النصِّ، والقياس إذا صادم النصَّ وقابله كان قياسًا باطلًا، ويُسمى قياسًا إبليسيًّا، فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل وتقديمه عليه، ولهذا كانت عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته. وقد بيَّنَّا فيما تقدم أنه ما عارض أحدٌ الوحي بعقله إلَّا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما يضحك منه العقلاء١.
(١) تقدم (ص ٥٢١ - ٥٢٥).
الثَّاني: أن قوله: «أنا خير منه» كذبٌ، ومستنده في ذلك باطلٌ، فإنه لا يلزم من تفضيل مادةٍ على مادةٍ تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى، فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها، وهذا من كمال قدرته سبحانه. ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرُّسل أفضل من الملائكة، ومذهب أهل السُّنَّة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة١، وإن كانت مادتهم نورًا، ومادة البشر ترابًا. فالتفضيل ليس بالمواد والأصول، ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرًا وأفضل عند الله ممَّن ليس مثلهم من قريشٍ وبني هاشمٍ.
وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثًا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى، وهي التي أبطلها الله ﷿ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات: ١٣].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ٢ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ،
(١) قال المصنف في «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٠٤) عن ابن تيمية: «أنه سُئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عمَّا يُلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة. وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه». وينظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢).
(٢) والعُبية: الكبر والنخوة، يريد بهذا القول ما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب والتباهي بها. «غريب الحديث» للخطابي (١/ ٢٩٠). وينظر «تصحيفات المحدثين» للعسكري (١/ ٢٩١) و«الفائق» للزمخشري (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).