الصواعق المرسلة

النَّاسُ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ»١. وقال ﷺ: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»٢.

فانظر إلى سريان هذه النُّكتة الإبليسية في نفوس أكثر النَّاس من تفضيلهم بمجرد الأصول والأنساب.

الثَّالث: أن ظنَّه أن النَّار خيرٌ من التراب باطلٌ، مستنده ما فيها من الإضاءة والخفة، وما في التراب من الثقل والظُّلمة، ونسي الشيخ ما في النَّار من الطيش والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع، حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومَن فيها، بل التراب خيرٌ من النَّار وأفضل من وجوهٍ متعددةٍ:

منها: أن طبعه السُّكون والرزانة، والنَّار بخلافه.

ومنها: أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات، والنَّار بخلافه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٨٨٥٧، ١٠٩٣٢) وأبو داود (٥١١٦) والترمذي (٣٩٥٦) عن أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وفي الباب عن عبد الله ابن عمر وعبد الله بن عباس ﵃، ينظر «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي (١٢٤٥).
  2. (٢) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٢٣٩٧٢) عن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله ﷺ. وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤١٢): رويناه بإسناد صحيح.
638

ومنها: أنه لا يمكن أحدًا أنْ١ يعيش بدونه ودون ما خُلق منه البتة، ويمكنه أن يعيش برهةً بلا نارٍ، قالت عائشة: «كان يمرُّ بنا الشهر والشهران ما نوقد في بيوتنا نارًا، أو ما نرى نارًا. قال لها عروة: فما كان قُوتُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء»٢.

ومنها: أن الأرض تُؤدِّي إليك بما فيها من البركة أضعاف أضعاف ما تُودعه من الحب والنَّوى، وتُربِّيه لك وتغذيه وتنمِّيه. والنَّار تفسده عليك وتمحق بركته.

ومنها: أن الأرض مهبط وحي الله، ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه، وكِفاتُهم٣ أحياءً وأمواتًا، والنَّار مسكن أعدائه ومأواهم.

ومنها: أن في الأرض بيته الذي جعله إمامًا للناس وقيامًا لهم، وجعل حجَّه مَحَطًّا لأوزارهم، ومُكفِّرًا لسيئاتهم، وجالبًا لهم مصالح معايشهم ومعادهم.

ومنها: أن النَّار طبعها العلو والفساد، وأن الله لا يحب المستكبرين ولا يحب المفسدين، والأرض طبعها الخشوع والإخْبات، والله يحب المُخْبِتين الخاشعين. وقد ظهر هذا بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرُّسل من المادة الأرضية، وخلق إبليس وجنوده من المادة النَّارية.

  1. (١) سقط من «ح». وأثبته من «م».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٥٦٧) ومسلم (٢٩٧٢).
  3. (٣) الكفات: الموضع الذي يُكفت فيه شيء: أي يُضم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ اِلْأَرْضَ كِفَاتًا ٢٥ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]. «الصحاح» (١/ ٢٦٣).
639

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي