الصواعق المرسلة

قيل لكم: فكيف عقلتم ذاتًا قائمة بنفسها فاعلة لغيرها [ق ٦٨ أ] ليست بجسمٍ؟!

فإن قلتم: دلَّ الدليل على انتهاء الممكنات والمصنوعات إلى ذات هذا شأنها، فأثبتناها بالدليل.

قيل لكم: ودلَّ الدليل على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى ذات موصوفةٍ بالصفات التي تُؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها، وصفاتها وأشكالها وهيئاتها، وإعدامها بعد إيجادها١، وإيجاد بدلٍ٢ منها، ودلالتُه على ذاتٍ هذا شأنها أعظم من دلالته على ذاتٍ مجردةٍ لا فعل لها ولا صفة ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة.

فإن قلتم: يلزم من ثبوت صفاتها حدوثها، ولا يلزم من تجردها عنها حدوثها.

قيل لكم: بل يلزم من تجردها عنها عدمها، وامتناع وجودها، فلو لزم من ثبوت صفاتها ما لزم كان خيرًا من جحدها ونفيها بالكلية. كيف وتلك اللوازم التي ركبتم بعضها على بعضٍ فيها من التلبيس والتدليس والإجمال اللفظي والاشتباه المعنوي، ما إذا كُشف أمره تبيَّن أنها زَغَلٌ ومحالٌ، وأشد شيءٍ منافاة للعقل والسمع، وكل مقدماتها دعاوٍ كاذبةٌ باطلةٌ بصريح العقل والسمع.

فلا يلزم من كونه فوق سماواته على عرشه، يسمع ويرى، ويأمر وينهى، ويتكلَّم ويُكلِّم؛ أن يكون مركبًا من جواهر فردة، ولا من مادة وصورة، ولا أن يكون مماثلًا لخلقه. فدعوى هذا اللزوم عين البَهت والكذب

  1. (١) بعده في «ح»: «وإيجادها». وهي كلمة زائدة.
  2. (٢) «ح»: «بدلها». والمثبت هو الصواب.
648

الصراح، بل العرش خلقٌ من خلقه، ولا يلزم من كونه فوق السماوات كلها أن يكون مركبًا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، ولا مماثلًا لغيره من الأجسام. وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته، وهو ذو قوةٍ وحياةٍ وسمعٍ وبصرٍ وأجنحةٍ، ويصعد وينزل، ويُرى بالأبصار؛ ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون مركبًا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، ولا أن يكون جسمه مماثلًا لأجسام الشياطين، فدعونا من هذا الفَشْر١ والهذيان والدعاوي الكاذبة.

والتفاوت الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثَّرَى والهواء والماء، وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين، والعاقل إذا أطلق على جسمٍ صفةً من صفاته وضدُّه من كل وجهٍ موصوف بتلك الصفة، لم يلزم من ذلك تماثلهما. فإذا أطلق على الرجيع - الذي قد بلغ غاية الخُبث - أنه جسمٌ قائمٌ بنفسه ذو رائحةٍ ولونٍ، وأطلق ذلك على المسك، لم يقل ذو حسٍّ سليمٍ ولا عقلٍ مستقيمٍ إنهما متماثلان. وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله وخلقه، فكم تُلبِّسون، وكم تُدلِّسون وتُموهون!

فاشتراك الذَّاتين في معنًى من المعاني لا يستلزم تماثلهما عند أحدٍ من العقلاء، وإن المختلفات والمتضادات تشترك في أشياء متعددة، فمشاركة الماء للنار في مسمَّى الجسمية٢ والحركة وإدراك الحس لهما لا يوجب تماثلهما.

  1. (١) الفشر: الهذيان. «تكملة المعاجم العربية» (٨/ ٧٤).
  2. (٢) «ح»: «بالجسمية». والمثبت هو الصواب.
649

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي