الصواعق المرسلة

الصراح، بل العرش خلقٌ من خلقه، ولا يلزم من كونه فوق السماوات كلها أن يكون مركبًا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، ولا مماثلًا لغيره من الأجسام. وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته، وهو ذو قوةٍ وحياةٍ وسمعٍ وبصرٍ وأجنحةٍ، ويصعد وينزل، ويُرى بالأبصار؛ ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون مركبًا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، ولا أن يكون جسمه مماثلًا لأجسام الشياطين، فدعونا من هذا الفَشْر١ والهذيان والدعاوي الكاذبة.

والتفاوت الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثَّرَى والهواء والماء، وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين، والعاقل إذا أطلق على جسمٍ صفةً من صفاته وضدُّه من كل وجهٍ موصوف بتلك الصفة، لم يلزم من ذلك تماثلهما. فإذا أطلق على الرجيع - الذي قد بلغ غاية الخُبث - أنه جسمٌ قائمٌ بنفسه ذو رائحةٍ ولونٍ، وأطلق ذلك على المسك، لم يقل ذو حسٍّ سليمٍ ولا عقلٍ مستقيمٍ إنهما متماثلان. وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله وخلقه، فكم تُلبِّسون، وكم تُدلِّسون وتُموهون!

فاشتراك الذَّاتين في معنًى من المعاني لا يستلزم تماثلهما عند أحدٍ من العقلاء، وإن المختلفات والمتضادات تشترك في أشياء متعددة، فمشاركة الماء للنار في مسمَّى الجسمية٢ والحركة وإدراك الحس لهما لا يوجب تماثلهما.

  1. (١) الفشر: الهذيان. «تكملة المعاجم العربية» (٨/ ٧٤).
  2. (٢) «ح»: «بالجسمية». والمثبت هو الصواب.
649

وليس معكم دليلٌ واحدٌ صحيحٌ يدل على تركب الأجسام كما ذكرتم، فكيف ولو أقمتم الدليل على ذلك لم يلزم منه تركُّب خالق الأجسام وجواهرها وأعراضها ممَّا تركبت منه الأجسام بوجهٍ من الوجوه، سوى الدعوى الكاذبة، وهو أنه لو كان فوق عرشه أو موصوفًا بالصفات أو يُرى بالأبصار لزم أن يكون مركبًا.

وليس العجب من عقولٍ رضيت لنفسها بمثل هذا الهذيان حتى اعتقدَتْه غاية الغايات العقلية، ونهايات المعارف الإلهية والمباحث الحكمية، ثم قدَّمته على نصوص الوحي، فإن هذا في الأصل وضعُ من قصد معارضة الأنبياء ورد ما جاؤوا به؛ بل العجب من قوم صدَّقوا الأنبياء، وشهدوا أن الرَّسول حقٌّ، وجاءهم بالبينات، وعلموا أنه الصَّادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ثم ولج هذا الهذيان في آذانهم فسمعوه١، ودخل إلى قلوبهم فقبلوه، وعظَّموا أصحابه، وسمَّوْهم المحققين، وقدَّموا أقوالهم على نصوص الوحي المبين، فضلًا عن تقديمه على كلام الصَّحابة والتَّابعين. ولقد أحسن القائل فيهم وإن قصد سواهم٢:

خَفَافِيشُ أَعْشَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِوَلَاءَمَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ

وهذه الحجة الدَّاحضة باطلةٌ من أكثر من سبعين وجهًا تُذكر في غير هذا

  1. (١) «ح»: «فسموا». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) البيت لابن الرومي في «ديوانه» (١/ ١٥٧) وقافيته: «غيهبُ» وكذا أنشده له: الحسن بن وكيع في «المنصف للسارق والمسروق منه» (ص ٣٧٣) والثعالبي في «التمثيل والمحاضرة» (ص ٣٧٤).
650

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي