الصواعق المرسلة

المنقول والمعقول، وتلقي العلم واليقين من غير مشكاة الرَّسول، ولا يجعلنا من أتباع قومٍ ضلُّوا من قبلُ وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل.

الوجه الحادي والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيءٌ، وأنه لا سَمِيَّ له، ولا كفؤ له، وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه المخلوقين، واستحق بقيامها به أن يكون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] وهكذا كونه ليس له سَمِيٌّ، أي: مثيلٌ يُساميه في صفاته وأفعاله ولا مَن يكافئه فيها. ولو كان مسلوب الصِّفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين، ومنفيًّا عنه مباينة العالم ومحايثته، واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه، وكونه يَمنَتَه أو يَسْرَتَه وأمامه أو وراءه = لكان كل عدمٍ مثلًا له في ذلك، فيكون قد نفى عن نفسه مشابهة الموجودات، وأثبت لها مماثلة المعدومات. فهذا النفي واقع على أكمل الموجودات وعلى العدم المحض، فإن العدم المحض لا مثل له ولا كفؤ ولا سَمِيَّ. فلو كان المراد بهذا نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه؛ لكان ذلك وصفًا له بغاية العدم. فهذا النفي واقع على العدم المحض وعلى مَن كثرت أوصاف كماله ونعوت جلاله وأسماؤه الحُسنى حتى تفرَّد بذلك الكمال؛ فلم يكن له شبه في كماله ولا سَمِيٌّ ولا كفوءٌ.

فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعيَّن ذلك المعنى الباطل قطعًا، وصار المعنى أنه لا يُوصف بصفةٍ أصلًا، ولا يفعل فعلًا، ولا له وجهٌ ولا يدٌ، ولا يسمع ولا يُبصر، ولا يعلم ولا يقدر، تحقيقًا لمعنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

653

شَيْءٌ﴾. وقال إخوانكم من الملاحدة: ليس له ذات أصلًا، تحقيقًا لهذا النفي. وقال غُلاتهم: ولا وجود له تحقيقًا لهذا النفي.

وأمَّا الرُّسل وأتباعهم فقالوا: إنه حيٌّ وله حياة، وليس كمثله شيءٌ في حياته، وهو قويٌّ وله القوة، وليس كمثله١ شيءٌ في قوته، وهو سميعٌ بصيرٌ له السمع والبصر يسمع ويبصر، وليس كمثله شيءٌ في سمعه وبصره، ومتكلم ومكلم، وليس كمثله شيءٌ في كلامه وتكليمه، وله وجه ويدان وليس كمثله شيءٌ، وهو مستوٍ على عرشه وليس كمثله شيءٌ. وهذا النفي لا يتحقق إلَّا بإثبات صفات الكمال؛ فإنه مدحٌ له وثناءٌ أثنى به على نفسه، والعدم المحض لا يُمدح به٢ أحدٌ، ولا يُثنى به عليه، ولا يكون كمالًا له، بل هو أنقص النقص، وإنما يكون كمالًا إذا تضمن الإثبات، كقوله [ق ٦٩ أ] تعالى:

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لكمال حياته وقيُّوميته.

وقوله: ﴿مَن ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لكمال غناه وملكه وربوبيته.

وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٥] ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨] ﴿وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] لكمال عدله وغناه ورحمته.

وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قدرته.

وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي اِلْأَرْضِ وَلَا فِي اِلسَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١] ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي اِلْأَرْضِ وَلَا فِي اِلسَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]

  1. (١) «ح»: «مثله». والمثبت من «م».
  2. (٢) «به» ليس في «ح». ومثبت من «م».
654

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي