الصواعق المرسلة

خلقه به: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»١؟ ومعلومٌ أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يُحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه، وأشد إحصاءً له، فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيًا مفصَّلًا، وذلك ممَّا يُحصيه المُحصي بلا كُلفةٍ ولا تعبٍ، وقد فصَّله النُّفاة وأحصوه وحصروه. يوضحه:

الوجه الثَّاني والسبعون: أن الله سبحانه إنما نفى عن نفسه ما يُناقض الإثبات ويُضاد ثبوت الصِّفات والأفعال، فلم ينفِ إلَّا أمرًا عدميًّا أو ما يستلزم العدم، فنفى السِّنَة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية.

ونفى العُزُوب والخفاء المستلزم لنفي كمال العلم.

ونفى اللغوب المستلزم نفي كمال القدرة.

ونفي الظلم المستلزم لنفي كمال الغنى والعدل.

ونفى العبث المستلزم لنفي كمال الحكمة والعلم.

ونفى الصَّاحبة والولد المستلزمَينِ لعدم كمال الغنى.

وكذلك نفى الشَّريك والظَّهير والشَّفيع المتقدِّم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك.

ونفى الشبيه والمثيل والكفؤ المستلزم لعدم التفرد بالكمال المطلق.

ونفى إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمَينِ لعدم كمال عظمته وكبريائه وسَعته وإحاطته.

  1. (١) أخرجه مسلم، وقد تقدم تخريجه.
656

وكذلك نفى الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه لاستلزام ذلك عدم غناه الكامل.

وإذا كان إنما نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم ذلك العدم عُلم أنه أحقُّ بكل وجودٍ وثبوتٍ وكلِّ أمرٍ وجودي لا يستلزم عدمًا ولا نقصًا ولا عيبًا. وهذا هو الذي دلَّ عليه صريح العقل؛ فإنه سبحانه له الوجود الدَّائم القديم الواجب بنفسه الذي لم يستفده من غيره، ووجودُ كل موجودٍ فمفتقرٌ١ إليه، ومتوقفٌ في تحققه عليه، والكمال وجودٌ كله، والعدم نقصٌ كله، فإن العدم كاسمه لا شيء.

فعاد النفي الصحيح إلى نفي النقائص والعيوب، ونفي المماثلة في الكمال، وعاد الأمران إلى نفي النقص، وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم العدم. فتأمَّل هل نفى القرآن والسُّنَّة عنه سبحانه سوى ذلك؟ وتأمَّل هل ينفي العقل الصحيح - الذي لم يفسد بشُبه هؤلاء الضُّلال الحيارى - غير ذلك؟ فالرُّسل جاؤوا بإثبات ما يضاده، وهو سبحانه أخبر أنه لم يكن له كفوًا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد. والصمد: السيد الذي كمل في سؤدده، ولهذا كانت العرب تُسمِّي أشرافها بهذا الاسم؛ لكثرة الصِّفات المحمودة في المسمَّى به، قال شاعرهم٢:

  1. (١) «م»: «مفتقر».
  2. (٢) البيت لهند بنت مَعْبد بن نَضْلة تبكي عمَّيها عمرَو بن مسعودٍ، وخالدَ بن نَضْلة. وقد قتلهما النعمان بن المنذر اللخمي، كما في «السيرة النبوية» لابن هشامٍ (١/ ٥٧٢). ويُنسب لسبرة بن عمرو الأسدي، ينظر «الصحاح» للجوهري (٢/ ٦٥٢) و«البيان والتبيين» للجاحظ (١/ ١٨٠) و«سمط الآلي» (ص ٩٣٣).
657

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي