الصواعق المرسلة
أَلَا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرِ١ بَنِي أَسَدْبِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

فإن الصمد من تَصمُد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له، ولهذا قال جمهور السلف [ق ٦٩ ب] منهم عبد الله بن عباسٍ: «الصمد: السيد الذي كمُل سُؤْدُده، فهو العالم الذي كمُل علمه، القادر الذي كمُلت قدرته، الحكيم الذي كمُل حكمه، الرحيم الذي كمُلت رحمته، الجواد الذي كمُل جوده»٢. ومن قال: «إنه الذي لا جوف له»٣ فقوله لا يناقض هذا التفسير، فإن اللفظة من الاجتماع، فهو الذي اجتمعت فيه صفات الكمال ولا جوف له، فإنما لم يكن أحدٌ كفوًا له لمَّا كان صمدًا كاملًا في صمديته.

فلو لم يكن له٤ صفات كمالٍ ونعوت جلالٍ، ولم يكن له علمٌ ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا إرادةٌ ولا كلامٌ، ولا وجهٌ ولا يدٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ، ولا فعل يقوم به، ولا يفعل شيئًا البتة، ولا هو داخل العالم

  1. (١) «ح»: «يخبر». «م»: «بخبر». والرواية الأخرى: «بخيري». ينظر المصادر السابقة.
  2. (٢) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢٤/ ٧٣٦) وأبو الشيخ في «العظمة» (٩٦) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٩٨).
    وينظر في تفسير الصمد: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٧٣١ - ٧٣٦) و«البسيط» للواحدي (٢٤/ ٤٣٦ - ٤٤٤) و«النكت والعيون» للماوردي (٦/ ٣٧١ - ٣٧٢).
  3. (٣) أخرجه سعيد بن منصور في «التفسير» (٢٥٤٨) وابن أبي عاصم في «السنة» (٦٦٥) والطبري في «التفسير» (٢٤/ ٧٣١) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١٠٠) عن ابن عباس ﵁. وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ينظر «تفسير الطبري» (٢٤/ ٧٣١ - ٧٣٢) و«الدر المنثور» (١٥/ ٧٧٧ - ٧٧٨).
  4. (٤) «له» ليس في «ح»، ومثبت من «م».
658

ولا خارجه، ولا فوق عرشه، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يحب ولا يبغض، ولا هو فعالٌ لما يريد، ولا يُرى ولا يمكن أن يُرى، ولا يُشار إليه، ولا يُمكن أن يُشار إليه = لكان العدم المحض كفوًا له، فإن هذه الصِّفات منطبقةٌ على المعدوم، فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحقَّ لم يكن صمدًا، وكان العدم كفوًا له.

وكذلك قوله: ﴿رَّبُّ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاَعْبُدْهُ وَاَصْطَبِر لِّعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فأخبر أنه لا سَمِيَّ له، عَقِيبَ قول العارفين به: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ٦٣ رَّبُّ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاَعْبُدْهُ وَاَصْطَبِر لِّعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٣ - ٦٤].

فهذا الربُّ الذي له هذا الجند العظيم ولا يتنزَّلون١ إلَّا بأمره، وهو المالك ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، فهو الذي قد كمُلت قدرته وسلطانه وملكه، وكمُل علمه؛ فلا ينسى شيئًا أبدًا، وهو القائم بتدبير أمر السماوات والأرض وما بينهما، كما هو الخالق لذلك كله، وهو ربُّه ومليكه٢، فهذا الربُّ هو الذي لا سَمِيَّ له لتفرُّده٣ بكمال هذه الصِّفات والأفعال.

فأمَّا مَن لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه، إن هي إلَّا ألفاظ فارغةً من المعاني؛ فالعدم سَمِيٌّ له.

  1. (١) «ح»: «ينزلون». والمثبت من «م». وهو الموافق للآية الكريمة.
  2. (٢) «ح»: «وملائكته». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «التفرده». والمثبت من «م».
659

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي