الصواعق المرسلة

وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] فإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ اُلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ ١ لَهُ مَا فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي اِلْأَرْضِ وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ ٢ * تَكَادُ اُلسَّمَاوَاتُ يَنفَطِرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَاَلْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي اِلْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اُلرَّحِيمُ ٣ وَاَلَّذِينَ اَتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اَللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ١ - ٤] إلى قوله: ﴿فَاطِرُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ اَلْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهْوَ اَلسَّمِيعُ اُلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٩].

فهذا الموصوف بهذه الصِّفات والنُّعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزَّة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والرحمة١ والولاية وإحياء الموتى والقدرة التَّامة الشَّاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السماوات والأرض، وهو السميع البصير = فهذا هو الذي ليس كمثله شيءٌ، لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله، وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيءٌ.

فالمثبِتُ للصفات والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ليس كمثله شيءٌ. وأمَّا المعطل النَّافي لصفاته وحقائق

  1. (١) أعاد ذكر الرحمة في «ح» هنا وقد ذكرت قبل الكلام، ولم يعده في «م». وإنما كررها اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَاَلظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ٦ أَمِ اِتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاَللَّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ وَهْوَ يُحْيِ اِلْمَوْتى وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٦ - ٧]. فقد ذُكرت الرحمة مرتين في الآيات: مرة مع المغفرة، ومرة مع المشيئة.
660

أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيءٌ مجازٌ لا حقيقة له، كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه. ولهذا قال من قال من السَّلَف: إن النُّفاة جمعوا بين التشبيه والتعطيل١، فسمَّوْا تعطيلهم تنزيهًا، وسمَّوْا ما وصف به نفسه تشبيهًا، وجعلوا ما يدلُّ على ثبوت صفات الكمال وكثرتها دليلًا على نفيها وتعطيلها، وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورًا، واغترَّ به من شاء الله، وهدى الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الوجه التَّاسع٢ والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ اُلسَّوْءِ وَلِلَّهِ اِلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى وَهْوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَهْوَ اَلَّذِي يَبْدَأُ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهْوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَهْوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٦].

فجعل مَثَل السَّوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده. وبهذا كان المثل أعلى٣، وهو أفعل تفضيلٍ، أي: أعلى من غيره، فكيف يكون أعلى وهو عدمٌ محضٌ ونفيٌ صرفٌ، وأيُّ مَثَلٍ أدنى من هذا؟! تعالى الله عن قول المعطلين علوًّا كبيرًا.

  1. (١) وتقدم بيان المصنِّف لهذا المعنى في الفصل الثامن (ص ٧٣ - ١٠٦).
  2. (٢) كتب الناسخ بحاشية «ح»: «هكذا في الأصل». فقد انتقل من الثاني والسبعين إلى التاسع والسبعين مباشرة، فلم يذكر من الثالث والسبعين إلى الثامن والسبعين.
  3. (٣) «ح»: «الأعلى». والمثبت من «م».
661

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي