الصواعق المرسلة

عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٢]. فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه، والأول مثل السَّوء للصنم وعابديه.

وقد ضرب سبحانه للمعارضين١ بين الوحي وعقولهم مثل السَّوء بالكلب تارةً٢، وبالحُمُر تارةً٣، وبالأنعام تارةً٤، وبأهل القبور تارةً٥، وبالعُمْي الصُّم تارة٦،

وغير ذلك من الأمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم، وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله، وضرب لأوليائه وعابديه أحسن أمثال٧. ومَن تدبر القرآن فَهِمَ المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء، وبالله التوفيق.

  1. (١) «ح»: «للعارضين». والمثبت من «م».
  2. (٢) قال تعالى: ﴿وَاَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَاَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ اُلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ اَلْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَاَتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اِلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ اُلْقَوْمِ اِلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاَقْصُصِ اِلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
  3. (٣) قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ اِلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ٤٩ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ٥٠ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
  4. (٤) قال تعالى: ﴿وَلَقَد ذَّرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ اَلْجِنِّ وَاَلْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَاَلْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
  5. (٥) قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي اِلْأَحْيَاءُ وَلَا اَلْأَمْوَاتُ إِنَّ اَللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي اِلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
  6. (٦) قال تعالى: ﴿مَثَلُ اُلْفَرِيقَيْنِ كَاَلْأَعْمَى وَاَلْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَاَلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤] ..
  7. (٧) «ح»: «الأمثال». والمثبت من «م».
666

الوجه الثمانون: أن كل من عارض بين الوحي والعقل وردَّ نصوص الكتاب والسُّنَّة بالرَّأي - الذي يُسمِّيه عقلًا - لا بد أن يبغض١ تلك النصوص المخالفة لعقله ويُعاديها، ويود أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز لها قلبه، والله يعلم ذلك من قلوبهم، وهم يعلمونه أيضًا، حتى حمل جهمًا الإنكارُ والبُغْض لقوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] على أن قال: «لو أمكنني كَشْطها من المصحف كشطتها»٢.

وحمل آخَرَ٣ بُغْضُ قوله: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] على أن حرَّفها وقرأها بالنصب، وكلَّم اللهَ موسى تكليمًا، أي أن موسى هو الذي كلَّم الله وخاطبه، والله لم يكلمه٤. فقال له أبو عمرو بن العلاء: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فبُهت المعطِّل.

وجرى بيني وبين بعض رؤساء هؤلاء مناظرة في مسألة الكلام، فقال: نحن وسائر الأمة نقول: القرآن كلام الله لا يُنازع في هذه الإضافة أحدٌ، ولكن

  1. (١) «ح»: «ينقض». والمثبت هو الموافق للسياق.
  2. (٢) أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (٧٠).
  3. (٣) «ح»: «أخرى». والمثبت هو الصواب. وهو عمرو بن عبيد، قد سمَّاه ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٣/ ٣٠٣).
  4. (٤) أخرج ابن مردويه عن عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: «وكلم اللهَ موسى تكليمًا» فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر. قال ابن كثير: وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك لأنه حرَّف لفظ القرآن ومعناه. «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٧٤).
667

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي