فكان أهل العقول كلهم في مقته إلَّا بقايا متمسكين بالوحي، فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلَّا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر، أو٢ الحيرة والشك، أو السحر، أو تعطيل الصَّانع والكفر به، فاستفادوا بها مقت الربِّ سبحانه لهم، وإعراضه عنهم.
فأطلع الله شمس الرِّسالة في تلك الظُّلَم سراجًا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم، ومعاشهم ومعادهم، نعمة لا يستطيعون لها شكورًا - فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه، [ق ٧٤ ب] ورأوا في ضوء الرِّسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه. فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿اِللَّهُ وَلِيُّ اُلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ﴾[البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾[إبراهيم: ١ - ٢] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾[الشورى: ٤٩] وقال: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي اِلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي اِلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾[الأنعام: ١٢٣].
فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النُّور لم تطفئه عواصف الأهواء،
(١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار ﵁.
(٢) «ح»: «و». والمثبت من «م».
ولم تلتبس به ظُلَم الآراء، وأوصوا من بعدهم ألَّا يُفارقوا١ النُّور الذي اقتبسوه منهم، وألَّا يخرجوا عن طريقهم. فلمَّا كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النُّور الذي كان عليه أوائل الأُمة٢. ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظِّمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدِّمين، ولم يَدَّعِ أحدٌ منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أُتوا من سُوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون مَن قبلهم، ورأوا أنهم إن اتبعوهم٣ كانوا مقلِّدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين من كل قُطرٍ، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذَّروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم، ولا مجالستهم. وكلامهم فيهم معروفٌ في كتب السُّنَّة، وهو أكثر من أن يُذكر هاهنا.
فلمَّا كثرت الجهمية - في أواخر عصر التَّابعين - كانوا هم أول من عارض الوحي بالرَّأي، ومع هذا كانوا قليلين أذلاء مقموعين مذمومين عند الأُمة. وأولهم وشيخهم الجعد بن درهم. وإنما نفق٤ عند النَّاس بعضَ الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يُسمَّى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ومزقهم كل ممزقٍ ببركة شيخ المعطلة النُّفاة. فلمَّا اشتهر أمره في المسلمين طلبه٥
(١) بعده في «م»: «ذلك».
(٢) «ح»: «الأئمة». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «ابتغوا بهم».
(٤) نفق البيع نَفَاقًا بالفتح: أي راج. «الصحاح» (٤/ ١٥٦٠).