الصواعق المرسلة

ولم تلتبس به ظُلَم الآراء، وأوصوا من بعدهم ألَّا يُفارقوا١ النُّور الذي اقتبسوه منهم، وألَّا يخرجوا عن طريقهم. فلمَّا كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النُّور الذي كان عليه أوائل الأُمة٢. ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظِّمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدِّمين، ولم يَدَّعِ أحدٌ منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أُتوا من سُوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون مَن قبلهم، ورأوا أنهم إن اتبعوهم٣ كانوا مقلِّدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين من كل قُطرٍ، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذَّروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم، ولا مجالستهم. وكلامهم فيهم معروفٌ في كتب السُّنَّة، وهو أكثر من أن يُذكر هاهنا.

فلمَّا كثرت الجهمية - في أواخر عصر التَّابعين - كانوا هم أول من عارض الوحي بالرَّأي، ومع هذا كانوا قليلين أذلاء مقموعين مذمومين عند الأُمة. وأولهم وشيخهم الجعد بن درهم. وإنما نفق٤ عند النَّاس بعضَ الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يُسمَّى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ومزقهم كل ممزقٍ ببركة شيخ المعطلة النُّفاة. فلمَّا اشتهر أمره في المسلمين طلبه٥

  1. (١) بعده في «م»: «ذلك».
  2. (٢) «ح»: «الأئمة». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «ابتغوا بهم».
  4. (٤) نفق البيع نَفَاقًا بالفتح: أي راج. «الصحاح» (٤/ ١٥٦٠).
  5. (٥) «ح»: «فطلبه». والمثبت من «م».
692

خالد بن عبد الله القسري - وكان أميرًا على العراق - حتى ظفر به، فخطب النَّاس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: «أيها النَّاس، ضَحُّوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يُكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا. تعالى الله عمَّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر؛ فكان ضحيَّته١»٢.

ثم طفئت تلك البدعة، فكانت كأنها حصاة رُمي بها، والنَّاس إذ ذاك عُنُقٌ واحدٌ٣: أن الله فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه، موصوفٌ بصفات الكمال ونعوت الجلال، وأنه كلَّم عبده ورسوله موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا.

إلى أن جاء أول المائة الثَّالثة وولي على النَّاس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حبُّ المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعُرِّبت له، واشتغل بها النَّاس. والملك سُوقٌ ما نفق٤ فيه جُلب

  1. (١) «ح»: «ضحية». والمثبت من «م».
  2. (٢) أخرج القصة البخاري في «خلق أفعال العباد» (٣) وفي «التاريخ الكبير» (١/ ٦٤) والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٥٨٠ - ٥٨١) وفي «الرد على الجهمية» (١٣، ٣٨٧) وحرب الكرماني في «مسائله» (١٨٤٧) والخلال في «السنة» (١٦٩٠) والآجري في «الشريعة» (٦٩٤، ٢٠٧٢) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٥١٢) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٥٦٣) وفي «السنن الكبرى» (١٠/ ٢٠٥) وغيرهم. وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٣/ ٢١٩): «هذه قصة مشهورة».
  3. (٣) أي: جماعة واحدة. «تهذيب اللغة» (١/ ٢٥٢).
  4. (٤) «ح»: «سوق». والمثبت من «م».
693

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي