كان لأهل الذِّمة من الأمان١ والجاه والعزِّ عندهم ما لا يصل٢ إليه أحدٌ من أهل السُّنَّة، ولا يطمع فيه. فكم أُغمدت سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء، وكم ماتت بهم سُنة، وقامت بهم٣ بدعة وضلالة٤!
حتى استنقذ الله الأُمة والملَّة من أيديهم في أيام نور الدِّين وابن أخيه صلاح الدِّين٥، فأبلَّ٦ الإسلام من علته بعدما وطَّن المسلمون أنفسهم على العزاء، وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن دخل في المُحاق٧، وثابَتْ إليه رُوحه بعدما بلغت التراقيَ وقيل: من راق! واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، وأخذ كلٌّ من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب، وعلت كلمة الإسلام والسُّنَّة، وأُذِّن بها على رؤوس الأشهاد، ونادى المنادي: يا أنصار الله لا تنكلوا٨ عن الجهاد، فإنه أبلغ الزَّاد ليوم المعاد.
(١) «ح»: «الإيمان». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «يحصل».
(٣) «ح»: «به».
(٤) وينظر «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٠٣١).
(٥) كذا في «ح»، «م»، والمراد نور الدِّين محمود زنكي وصلاح الدِّين الأيوبي، ومعلوم أن نور الدِّين ليس عمًّا لصلاح الدِّين، وإنما عمُّه أسد الدِّين شيركوه أحد قادة نور الدِّين. وينظر «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» لابن شداد (ص ٣١). فلعل الصواب: «نور الدِّين وأسد الدِّين وابن أخيه صلاح الدِّين».
(٧) المحاق من الشهر: ثلاث ليال من آخره. «الصحاح» (٤/ ١٥٥٣).
(٨) نَكَل عن العدو ينكُل بالضم: أي جبن. «الصحاح» (٥/ ١٨٣٥).
فعاش النَّاس في ذلك النُّور مدةً حتى استولت الظُّلمة على بلاد الشرق، وطفي نور النبوة والوحي، وقدَّموا العقول والآراء والسياسة والأذواق١ على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها. فبعث الله عليهم عبادًا له أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الدِّيار، وعاثوا في القُرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رَسْمُه.
وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه، وزعيمها الذي يُعوِّلون عليه، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته: نصير الكفر والشرك الطوسي، فلم يُعلَم في عصره أحدٌ عارض بين العقل والنقل معارضته، فرام إبطال السمع بالكلية، وإقامة الدعوة الفلسفية، وجعل «الإشارات» بدلًا عن السُّوَر والآيات، وقال: هذه عقليات [ق ٧٥ ب] قطعية برهانية، قد عارضت تلك النقليات الخطابية. واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسُّنَّة على السيف، فلم يُبق منهم إلَّا من أعجزه؛ قصدًا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للبخشية٢ السَّحَرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين، ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفَّل بحفظ الإسلام ونصره.
وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على
(١) بعده في «ح»: «والرأي». وهي زائدة، ليست في «م».