فعاش النَّاس في ذلك النُّور مدةً حتى استولت الظُّلمة على بلاد الشرق، وطفي نور النبوة والوحي، وقدَّموا العقول والآراء والسياسة والأذواق١ على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها. فبعث الله عليهم عبادًا له أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الدِّيار، وعاثوا في القُرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رَسْمُه.
وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه، وزعيمها الذي يُعوِّلون عليه، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته: نصير الكفر والشرك الطوسي، فلم يُعلَم في عصره أحدٌ عارض بين العقل والنقل معارضته، فرام إبطال السمع بالكلية، وإقامة الدعوة الفلسفية، وجعل «الإشارات» بدلًا عن السُّوَر والآيات، وقال: هذه عقليات [ق ٧٥ ب] قطعية برهانية، قد عارضت تلك النقليات الخطابية. واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسُّنَّة على السيف، فلم يُبق منهم إلَّا من أعجزه؛ قصدًا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للبخشية٢ السَّحَرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين، ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفَّل بحفظ الإسلام ونصره.
وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على
(١) بعده في «ح»: «والرأي». وهي زائدة، ليست في «م».
السمع. ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم١ منك على ذُكْرٍ كلَّ وقتٍ؛ فإنه أول من عارض بين العقل والنقل، وقدَّم العقل، فكان من أمره ما قصَّ الله عليك. وورَّث هذا الشيخُ تلامذتَه هذه المعارضة، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنةٍ وبليةٍ. وأصل كل بليةٍ في العالم - كما قال محمد الشهرستاني٢ ـ: من معارضة النص بالرَّأي، وتقديم الهوى على الشرع. والنَّاس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها، فإلى الله المشتكى وبه المستعان.
ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر٣ المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تُعرف قبله، جُست٤ العميدي، وحقائق ابن عربي، وتشكيكات الرَّازي. وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرُّسل التي فرحوا بها لمَّا جاءتهم رسلهم بالبينات، وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم.
ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندًا تغزو ملوك هؤلاء
(١) يعني: إبليس لعنه الله.
(٢) ينظر «الملل والنحل» (١/ ١٠).
(٣) يعني: نصير الدِّين الطوسي.
(٤) جُسْت: كلمة فارسية، معناها بحث وفحص، وقد سُمي بها فرع من فروع الخلاف، وكان العميدي إمامًا في فنِّ الخلاف، وهو أول من أفرد الجُست بالتصنيف، فنُسب إليه. ينظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٤/ ٢٥٧) و«تكملة المعاجم العربية» (٢/ ٢١١). والعميدي هو ركن الدِّين أبو حامد محمد بن محمد العميدي الحنفي، توفي ببخارى سنة خمس عشرة وستمائة. ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٧٦ - ٧٧).