ونذكر من ذلك صفةً واحدةً تعتبر بها سائر الصِّفات، وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخصٍ واحدٍ منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص؛ لكان نسبته إلى جمال [ق ٧٦ أ] الربِّ ﵎ دون نسبة سراج ضعيف إلى جِرْم الشمس.
وكذلك قوَّته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته وجوده، وسائر صفاته. وهذا ممَّا دلت عليه آياته الكونية السمعية، وأخبرت به رسله عنه، كما في «الصحيح»١ عنه ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ٢ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
(١) «صحيح مسلم» (١٧٩) عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) يقال في السُّبحة: إنها جلال وجهه ونوره، ومنه قيل: سبحان الله؛ إنما هو تعظيم له وتنزيه. «غريب الحديث» لأبي عبيد (٣/ ٧).
فإذا كانت سُبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيءٌ من خلقه، ولو كشف حجابَ النور عن تلك السُّبحات لاحترق العالم العُلوي والسُّفلي، فما الظنُّ بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟!
وإذا كانت السماوات مع عظمتها وسعتها يجعلها على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والبحار على إصبع١، فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته؟!
وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات، في أقطار الأرض والسماوات، فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمعٌ عن سمعٍ٢.
ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، تحت أطباق الأرض في الليلة الظلماء.
ويعلم ما تُسِرُّه القلوب وأخفى منه، وهو ما لم يخطر لها أنه٣ سيخطر لها.
ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادًا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض - وهو كل نبتٍ قام على ساقٍ ممَّا يُحصد وممَّا لا يُحصد - أقلام يُكتب بها، نَفِدَتِ البحار والأقلام ولم ينفد كلامه.
(١) كما في حديث الحبر اليهودي وتصديق النبي ﷺ له، أخرجه البخاري (٤٨١١) ومسلم (٢٧٨٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) «عن سمع» ليس في «ح»، وأثبته من «م».
(٣) بعده في «ح»، «م»: «سبحانه». وهي زيادة تفسد المعنى، وقد ضرب عليها ناسخ «م».