الصواعق المرسلة

فإذا كانت سُبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيءٌ من خلقه، ولو كشف حجابَ النور عن تلك السُّبحات لاحترق العالم العُلوي والسُّفلي، فما الظنُّ بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟!

وإذا كانت السماوات مع عظمتها وسعتها يجعلها على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والبحار على إصبع١، فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته؟!

وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات، في أقطار الأرض والسماوات، فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمعٌ عن سمعٍ٢.

ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، تحت أطباق الأرض في الليلة الظلماء.

ويعلم ما تُسِرُّه القلوب وأخفى منه، وهو ما لم يخطر لها أنه٣ سيخطر لها.

ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادًا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض - وهو كل نبتٍ قام على ساقٍ ممَّا يُحصد وممَّا لا يُحصد - أقلام يُكتب بها، نَفِدَتِ البحار والأقلام ولم ينفد كلامه.

  1. (١) كما في حديث الحبر اليهودي وتصديق النبي ﷺ له، أخرجه البخاري (٤٨١١) ومسلم (٢٧٨٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
  2. (٢) «عن سمع» ليس في «ح»، وأثبته من «م».
  3. (٣) بعده في «ح»، «م»: «سبحانه». وهي زيادة تفسد المعنى، وقد ضرب عليها ناسخ «م».
703

وهذا وغيره بعض ما تَعرَّف به إلى عباده من كماله١، وإلَّا فلا يمكن أحدًا قط أن يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه. هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات، وتلقَّوْه عن الرَّسول، ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشُّبه القادحة في ذلك، وإذا وردت عليهم لم تقدح فيما علموه وعرفوه ضرورةً من كون ربهم ﵎ كذلك وفوق ذلك.

فلو قال لهم قائل: هذا الذي علمتموه لا يثبت إلَّا بجواب عمَّا عارضه من العقليات، قالوا لقائل هذه المقالة: هذا كذبٌ وبهتٌ؛ فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهاتٌ كثيرةٌ تُعارض ما عُلم بالحسِّ والعقل، فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلِّها لم يثبت لها ولا لأحدٍ علمٌ بشيءٍ من الأشياء، ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشُّبه، وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئًا فشيئًا. بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يُناقض ثبوته، ولم يكن ما يُقدر من الشُّبه الخيالية على نقيضه مانعًا من جزمنا به، ولو كانت الشُّبه ما كانت، فما من موجود يدركه الحسُّ إلَّا ويمكن كثيرًا من النَّاس أن يقيم على عدمه شُبهًا كثيرةً يعجز السَّامع عن حلها.

ولو شئنا لذكرنا لك طرفًا منها تعلم أنه أقوى من شُبه الجهمية النُّفاة لعلو الربِّ على خلقه وكلامه وصفاته.

وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثيرٌ من المتكلمين من الشُّبه على أن

  1. (١) «ح»: «كلامه». والمثبت من «م».
704

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي