وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عُرف صحة السمع - كما تقدم١ - وقد بيَّنا أن العقل ليس أصلًا للسمع في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصلٌ في ثبوت علمنا٢، أي: دليل لنا على صحته. وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فإن المخلوقات آيات ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته، ولا يلزم من عدمها عدمه، ولا من وجوده وجودها، وكذلك الآيات الدَّالة على نبوة رسله. هذا إذا لم يكن الدليل لازمًا للمدلول عليه، فإن كان لازمًا أمكن أن يكون مدلولًا له؛ إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكلٍّ منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه، وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم يُنقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه، وإذا كان من المعقول ما هو دليلٌ على صحة الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع، ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر.
لكن نحن إذا لم يكن لنا طريقٌ إلى العلم بصحة الشرع إلَّا ذلك العقل لزم من علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدَّال عليه، ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به، فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه. فإذا كان صحة الشرع لا تعلم إلَّا بدليلٍ عقليٍّ فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع
(١) تقدم (ص ٤٧٥ - ٤٧٧).
(٢) «ح»: «علمناه».
علمنا بالدليل العقلي الدَّال عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع، ويلزم أيضًا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل، وإذا كان العلم بصحة الشرع لازمًا للعلم بالمعقول الدَّال عليه وملزومًا له فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم، فضلًا عن تعارض المتلازمين.
فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، كالضدين والنقيضين، والمتلازمين يلزم من ثبوت كلٍّ منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين؟!
فهؤلاء عمدوا إلى المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر، ولزم من بطلانه بطلانهما جميعًا كما تقدم بيانه١، وقد تبيَّن أن الدليل العقلي الذي به يُعلم صحة الشرع مستلزمٌ للعلم بصحة الشرع، ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، وعِلْمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع، والعلم بصحة الشرع موقوفٌ عليه، وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزمًا لثبوت ذلك الدليل العقلي.
فعُلم [ق ٧٧ ب] أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر، فإن ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي، إن قيل إنه يمكن أن يُعلم صحته بغير ذلك الدليل، وإلَّا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين، وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحًا في