الصواعق المرسلة

ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، وكله من أوله إلى آخره تشبيهٌ صرفٌ. وليس لقائلٍ أن يقول: إن ذلك الكتاب محرفٌ كله. وأنى يُحرَّفُ كليةً كتابٌ منتشرٌ١ في أُمم لا يُطاق تعدادهم٢، وبلادهم متباينة وأهواؤهم٣ متباينة، منهم يهودي ونصراني٤، وهم أمتان متعاديتان. فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرِّبًا ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة».

قال: «فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب - يعني: أمر المعاد - ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانيةً غيرَ مجسمةٍ، بعيدةً عن إدراك بدائة الأذهان تحقيقها لم يكن سبيل٥ للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلَّا بالتعبير عنها بوجوهٍ من التمثيلات المقرِّبة إلى الأفهام، فكيف يكون وجود شيءٍ حجة على وجود شيءٍ آخر، لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته. فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًّا من النَّاس لا عامًّا: أن ظاهر الشرائع غير محتجٍّ به في مثل هذه الأبواب».

  1. (١) «ح»: «مبشر». والمثبت من «م» و«الرسالة الأضحوية».
  2. (٢) «ح»: «تعدديهم». وفي «الرسالة الأضحوية»: «تعديدهم». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»، «م»: «وأوهامهم». والمثبت من «الرسالة الأضحوية».
  4. (٤) في «الرسالة الأضحوية»: «يهود ونصارى».
  5. (٥) «ح»: «سبيلي». والمثبت من «م» و«الرسالة الأضحوية».
720

فتأمَّل كلام هذا الملحد بل رأس ملاحدة الملة، ودخولَه إلى الإلحاد من باب نفي الصِّفات، وتسلطه في إلحاده على المعطلة النُّفاة بما وافقوه عليه من النفي، وإلزامَه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريًّا أو مجازًا واستعارة، كما قالوا في نصوص الصِّفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيهًا وتجسيمًا١، مع أنها أكثر تنوعًا، وأظهر معنًى، وأبين دلالة من نصوص المعاد، فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل.

ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه بأن نصوص الصِّفات لا يمكن حملها كلها على المجاز والاستعارة، وأن يُقال: إن المراد غير ظاهرها، وإن لذلك الاستعمال مواضع تليق به، بحيث تكون دعوى ذلك في غيرها غلطًا محضًا، كما في مثل قوله: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز والاستعارة، فإنما أُريد ما دلَّ اللفظ عليه ظاهرًا، ومع هذا فقد ساعدهم على امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه، فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء.

فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد٢ من باب نفي الصِّفات والتجهم، وطريق الردِّ المستقيم بإبطال قوله وقول المعطلة جميعًا.

والمقصود أن هؤلاء الجهمية والمعتزلة لمَّا وافقوا هذا الملحد على نفي الصِّفات، وأن هذا النفي هو التوحيد الحق، احتج عليهم بهذه الموافقة

  1. (١) «ح»: «تجسمًا». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «إلحاد». والمثبت من «م».
721

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي