الصواعق المرسلة

بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلانِ عظيمان١:

أحدهما: تعريف الطريق المُوصِلة إليه، وهي شريعته المتضمِّنة لأمره ونهيه.

الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفَد، وقُرةِ العين التي لا تنقطع.

وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول، ومبنيَّان عليه، فأعرفُ الناس بالله أتبعُهم للطريق الموصل إليه، وأعرفُهم بحال السالكين عند القدوم عليه. ولهذا سمَّى اللهُ سبحانه ما أنزل٢ على رسوله رُوحًا لتوقُّف الحياة الحقيقية عليه، ونورًا لتوقف الهداية عليه. قال الله ﵎: ﴿يُلْقِي اِلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٤] في موضعين من كتابه٣. وقال [ق ٢ أ] ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٤٩].

فلا روحَ إلَّا فيما جاء به، ولا نورَ إلَّا فيما استضاء٤ به، فهو الحياة والنور، والعصمة والشفاء، والنجاة والأمن.

والله ﷾ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلَّا

  1. (١) «ب»: «أصلين عظيمين».
  2. (٢) «ب»: «أنزله».
  3. (٣) يقصد بالموضع الثاني قوله تعالى: ﴿يُنزِلُ اُلْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢].
  4. (٤) «ب»: «في الاستضاءة».
6

فيما جاء به، ولا يقبل الله من أحدٍ دِينًا يَدِينه به إلَّا أن يكون موافقًا لدينه. وقد نزَّه ﷾ نفسه عمَّا يصفه به العباد، إلَّا ما وصفه به المرسلون١ فقال: ﴿سُبْحَانَ اَللَّهِ عمَّا يَصِفُونَ ١٥٩ إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ اِلْمُخْلِصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠] قال غيرُ واحدٍ من السلف: هم الرُّسل٢.

وقال الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ اِلْعِزَّةِ عمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَامٌ عَلَى اَلْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فنزَّه نفسَه عمَّا يصفه به الخلقُ، ثم سلَّم على المرسلين؛ لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسَه على تفرُّده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.

الإسلام والرعيل الأول، ثم فَرَق على أثرهم التابعون٣، وتَبِعهم على منهاجهم اللاحقون، يوصي بها الأولُ الآخِرَ، ويقتدي فيه اللاحقُ بالسابق، وهم في ذلك بنبيهم مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. فـ ﴿مَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ إن كان عطفًا على الضمير في ﴿أَدْعُوا

  1. (١) «ح»: «ما وصف به المرسلين». وهو يقلب المعنى.
  2. (٢) لم نقف عليه، وقال ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٤٢): «وقوله: ﴿سُبْحَانَ اَللَّهِ عمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزَّه عن أن يكون له ولدٌ، وعمَّا يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا، وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ اِلْمُخْلِصِينَ﴾ استثناء منقطع، وهو من مُثبَت، إلا أن يكون الضمير في قوله: ﴿عمَّا يَصِفُونَ﴾ عائدًا إلى جميع الناس، ثم استثنى منهم المخلِصين، وهم المتَّبِعون للحق المنزَل على كل نبي ومرسَل».
  3. (٣) أي: فزعوا ومضوا على أثرهم، ينظر «زاد المعاد» للمصنِّف (٣/ ٨٦٤).
7

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي