الصواعق المرسلة

ولم تذعن١ إلى الإيمان؛ فقد سلبتم العقول خاصتها، وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفَطَرَها عليه، وكان نفس ما ذكرتم أن الرُّسل لو خاطبت به النَّاس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج عليكم، وأنه مخالف للعقل والفطرة كما هو مخالف للسمع والوحي [ق ٨٠ أ]. فتأمل هذا الوجه فإنه كافٍ في إبطال قولهم.

ولهذا إذا أراد أهله٢ أن يدعوا النَّاس إليه ويقبلوه منهم وطَّؤوا له توطئات٣، وقدَّموا له مقدمات، بنوها في القلب درجةً بعد درجةٍ، ولا يُصرِّحون به أولًا، حتى إذا أحكموا ذلك البناء استعاروا له ألفاظًا مزخرفةً، واستعاروا لما خالفه ألفاظًا شنيعةً، فتجتمع تلك المقدمات التي قدموها، وتلك الألفاظ التي زخرفوها، وتلك الشناعات التي على من خالفهم٤ شنعوها، فهنالك إن لم يُمسِك الإيمانَ مَن يمسك السماوات والأرض أن تزولا وإلَّا٥ تَرَحَّل عن القلب ترحُّل الغيث استدبرته الريح، يوضحه:

الوجه التَّاسع والتسعون: أنَّا نعرض على الفطر السليمة والعقول التي لم

  1. (١) «ح»: «تدعي». والمثبت من «م».
  2. (٢) أي: أهل التأويل.
  3. (٣) «ح»: «تاطوله موطيات». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «ما خالفه». والمثبت من «م».
  5. (٥) لا يصح المعنى إلا بحذف «وإلا»، وهو تركيب شائع في كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من ذلك العصر، والمعنى: إن لم يمسك الله الإيمانَ ترحل الإيمانُ.
728

تفسد بتلقِّي المقالات الفاسدة وتلقنها١ عن المعلمين خصمين اختصموا في ربهم:

فقال أحدهما: هو الله الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه، حيٌّ له الحياة، قديرٌ له صفة القدرة، مريدٌ له صفة الإرادة، كلَّم موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا، فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، يرى من فوق سبع سماوات، ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في غياهب الظلمات، لا تتحرك ذرةٌ إلَّا بإذنه، ولا تسقط ورقةٌ إلَّا بعلمه، ولا يَعزُب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماوات، تُرفع إليه الحاجات، وتصعد إليه الكلمات الطيبات، وينزل من عنده الأمر بتدبير المخلوقات، له القوة كلها، والعزُّ كله، والجمال كله، والعلم كله، والكمال كله، وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ، موصوفٌ بكل جمالٍ، منزَّهٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ، لا تُضرب له الأمثال، ولا يُشبَّه بالمخلوقات، فعالٌ لما يريد، لوجهه سُبحات الجلال، وهو الجميل الذي له كل الجمال، إحدى يديه للجود والفضل، والأخرى للقسط والعدل، يقبض سماواته السبع بإحدى يديه، والأرضين السبع باليد الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك. لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار

  1. (١) «ح»: «وتلقيها». ولعل المثبت هو الصواب.
729

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي