تفسد بتلقِّي المقالات الفاسدة وتلقنها١ عن المعلمين خصمين اختصموا في ربهم:
فقال أحدهما: هو الله الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه، حيٌّ له الحياة، قديرٌ له صفة القدرة، مريدٌ له صفة الإرادة، كلَّم موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا، فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، يرى من فوق سبع سماوات، ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في غياهب الظلمات، لا تتحرك ذرةٌ إلَّا بإذنه، ولا تسقط ورقةٌ إلَّا بعلمه، ولا يَعزُب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماوات، تُرفع إليه الحاجات، وتصعد إليه الكلمات الطيبات، وينزل من عنده الأمر بتدبير المخلوقات، له القوة كلها، والعزُّ كله، والجمال كله، والعلم كله، والكمال كله، وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ، موصوفٌ بكل جمالٍ، منزَّهٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ، لا تُضرب له الأمثال، ولا يُشبَّه بالمخلوقات، فعالٌ لما يريد، لوجهه سُبحات الجلال، وهو الجميل الذي له كل الجمال، إحدى يديه للجود والفضل، والأخرى للقسط والعدل، يقبض سماواته السبع بإحدى يديه، والأرضين السبع باليد الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك. لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار
(١) «ح»: «وتلقيها». ولعل المثبت هو الصواب.
قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، قريبٌ مجيدٌ، رحيمٌ ودودٌ، لطيفٌ خبيرٌ.
فصل
وقال الآخر: بل هو موصوفٌ بالسلوب والإضافات، فلا سمع له، ولا بصر، ولا حياة ولا إرادة، ولا يتكلم ولا يكلِّم أحدًا من خلقه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العرش ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا له وجهٌ ولا يدٌ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يسخط ولا يضحك، ولا يفرح بتوبة تائبٍ، ولا استوى على عرشه، ولا ينزل كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة، ولا يجيء لفصل القضاء، ولا يراه المؤمنون بأبصارهم، ولا يستمعون كلامه، ولا يقوم به فعل البتة ولا وصف، ولا له حقيقة وماهية غير وجودٍ مطلقٍ، وهو وجهٌ كله، وسمعٌ كله، وبصرٌ كله، ويدٌ كله، علمه ذاته، وسمعه وبصره علمه، ليس له يدٌ غير القدرة، خلق بها آدم، وكتب بها التوراة، وغرس بها جنة عدن، يقبض بها السماوات، وليس له وجهٌ يراه المؤمنون بأبصارهم، ليس بجوهرٍ ولا جسمٍ ولا متحيزٍ ولا متحركٍ ولا ساكنٍ، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا يقرب من شيءٍ، ولا يقرب منه شيءٌ، ولا يحبه أحدٌ، ولا يحب أحدًا، إلى أمثال ذلك من النفي.
فاعرض أقوال هذين الخصمين على الفطرة الصحيحة والعقل واجلس مجلس الحكومة بينهما، ثم تحيَّزْ إلى أيِّ الفئتين شئت، فما ثَمَّ إلَّا الإثبات من كل وجهٍ لما أثبته الله لنفسه وأثبته رسوله، أو التعطيل الصرف والنفي المحض. فاختر لنفسك إحدى الخطتين، واجعلها مع إحدى الفئتين، فالمرء