فيها من الجهل والشك والحيرة والريب، كما أن الهُدى يتضمن أنه موصلٌ إلى المقصود، فالهدى يوصلها إلى الحقِّ المقصود من أقرب الطُّرق، والشفاء يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحقِّ وطلبه، فهذا يُحصِّل المقتضى، وهذا يزيل المانع، ومن المحال أن تكون هذه صفة كلامٍ مخالفٍ١ للعقل ومعارضه.
وكذلك أخبر أنه نورٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاَتَّبَعُوا اُلنُّورَ اَلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾[الأعراف: ١٥٧] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾[الشورى: ٤٩] فهو نور البصائر من العمى، كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك. ومحالٌ أن تتنوَّر البصائر بما يخالف صريح العقل؛ فإن ما يخالف العقل مستوجب٢ الظُّلمة.
وأخبر سبحانه أنه برهانٌ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ قَد جَّاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾[النساء: ١٧٣]. ومحالٌ أن يكون ما يخالف صريح العقل برهانًا.
وأخبر سبحانه أنه علمٌ، كما قال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ﴾[آل عمران: ٦٠]، وما يخالف العقل الصريح لا يكون علمًا.
وأخبر أنه حقٌّ، والعقل الصريح لا يخالف الحق، فقال تعالى: ﴿الم اَللَّهُ
(١) «ح»: «مخالفة».
(٢) «ح»: «فوجبَ».
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ (١) نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] وقال: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾[النساء: ١٠٤] وقال: ﴿لَقَد جَّاءَكَ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ﴾[يونس: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهْوَ اَلْقَصَصُ اُلْحَقُّ﴾[آل عمران: ٦٢]. وحينئذٍ فكونه حقًّا يدل على أن ما خالفه ممَّا يُسمَّى معقولًا باطل، فإن كان ما خالفه حقًّا لزم أن يكون باطلًا، وإن كان هو الحق فما خالفه باطلٌ قطعًا.
وأخبر أنه آياتٌ بيناتٌ١، وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك.
وأخبر أنه أحسن القصص٢، وأحسن الحديث٣، ولو خالف صريح العقل لكان موصوفًا بضد ذلك.
وأخبر أنه أصدق الكلام، فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾[النساء: ١٢١]﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا﴾[النساء: ٨٦]. ولو خالف العقل لم يكن كذلك، وكان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين أصدق منه.
وأخبر أن القلوب تطمئن به، أي: تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك، كما يطمئن القلب إلى الصدق، ويرتاب بالكذب، فقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾[الرعد: ٢٩] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه، وأنه حقٌّ من عنده، ولهذا ذكره جوابًا لقول الكفار: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ
(١) في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾[الحج: ١٦] وغيره.