الصواعق المرسلة

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ (١) نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] وقال: ﴿* إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال: ﴿لَقَد جَّاءَكَ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهْوَ اَلْقَصَصُ اُلْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وحينئذٍ فكونه حقًّا يدل على أن ما خالفه ممَّا يُسمَّى معقولًا باطل، فإن كان ما خالفه حقًّا لزم أن يكون باطلًا، وإن كان هو الحق فما خالفه باطلٌ قطعًا.

وأخبر أنه آياتٌ بيناتٌ١، وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك.

وأخبر أنه أحسن القصص٢، وأحسن الحديث٣، ولو خالف صريح العقل لكان موصوفًا بضد ذلك.

وأخبر أنه أصدق الكلام، فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢١] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٦]. ولو خالف العقل لم يكن كذلك، وكان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين أصدق منه.

وأخبر أن القلوب تطمئن به، أي: تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك، كما يطمئن القلب إلى الصدق، ويرتاب بالكذب، فقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٩] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه، وأنه حقٌّ من عنده، ولهذا ذكره جوابًا لقول الكفار: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج: ١٦] وغيره.
  2. (٢) في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا اَلْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣].
  3. (٣) في قوله تعالى: ﴿اِللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٢].
737

مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٨) اَلَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. أي: بكتابه الذي أنزله، وهو ذكره وكلامه، ولو كان في العقل الصريح ما يخالفه لم تطمئن به قلوب العقلاء. والعاقل اللبيب إذا تدبَّر القرآن وتدبَّر كلام هؤلاء المعارضين له تبين أن الريبة كلها في كلامهم، والطمأنينة في كلام الله ورسوله.

وأخبر سبحانه أن التوراة - التي هو أكمل وأجلُّ منها - إمامٌ، فقال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١١] والإمام هو القدوة الذي يُؤتم به، وكيف يُقتدى بكلامٍ يخالف صريح العقل.

وسمَّاه سبحانه فرقانًا١؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، فلو خالف صريح العقل لم يكن فرقانًا، ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضَّالين المضلين.

وأخبر أنه كتابٌ مباركٌ٢، والمبارك: الكثير البركة والخير والهُدى والرحمة، وهذا لا يكون فيما يردُّه العقل ويقضي بخلافه.

وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه٣، ولو كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهةٍ.

وأخبر أنه كتابٌ أُحكِمت آياته٤، ....................................

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
  2. (٢) في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] وغيره.
  3. (٣) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤٠ لَّا يَأْتِيهِ اِلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٠ - ٤١].
  4. (٤) في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
738

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي