وأنه حكيمٌ١، وأنه فصلٌ٢. وما يخالفه العقل لا يوصف بشيءٍ من ذلك.
وأخبر أنه مهيمنٌ على٣ كل كتابٍ٤، أي: أمينٌ عليه وحاكمٌ وشاهدٌ وقيِّمٌ، ولو خالفه العقل لكان مهيمنًا عليه، وكانت معقولات هؤلاء الضَّالين المضلين هي٥ المهيمنة عليه، ولم يكن هو المهيمن عليها.
وأخبر أنه لا عوج فيه وأنه قيِّمٌ، فقال: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ اِلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ١ قَيِّمًا﴾[الكهف: ١ - ٢]، وأي عوجٍ أعظم من مخالفة صريح العقل له؟ وقال تعالى: ﴿وَلَقَد ضَّرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَذَا اَلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٦ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾[الزمر: ٢٦ - ٢٧] ومن تدبَّره وتدبَّر ما خالفه عرف أن العوج٦ كله فيما خالفه، وعِلْمُه بتعوُّج ما خالفه يُعرَف من طريقتين: من جهة الكلام في نفسه وأنه باطلٌ، ومن جهة مخالفته للقرآن.
الوجه الثَّاني والمائة: إن الله سبحانه ضمن الهُدى والفلاح لمن اتبع القرآن، والضلال والشقاء لمن أعرض عنه، فكيف بمن عارضه١ بمعقولٍ أو رأيٍ، أو حقيقةٍ باطلةٍ، أو سياسةٍ ظالمةٍ، أو قياسٍ إبليسيٍّ، أو خيالٍ فلسفيٍّ ونحو ذلك؟ قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ١٢٠ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقى ١٢١ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى ١٢٢ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ١٢٣ * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اَلْيَوْمَ تُنسى﴾[طه: ١٢٠ - ١٢٤] فضمن سبحانه لمن اتبع هداه - وهو كلامه - الهُدى في الدنيا والآخرة، والسعادة في الدنيا والآخرة.
فهاهنا أمران: طريقٌ وغايةٌ. فالطريق: الهُدى، والغاية: السعادة والفلاح. فمن لم يسلك هذه الطريق لم يصل إلى هذه الغاية، والله سبحانه قد أخبر أن كتابه الذي أنزله هو الهُدى والطريق، فلو كان العقل الصريح يخالفه٢ لما كان طريقًا إلى الفلاح والرشد.