فمن ذلك نشأت الاعتقادات المخالفة للكتاب والسُّنَّة. فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيءٍ من أمر الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواءٌ اعتقد ذلك بجَنانه أو قاله بلسانه أو كَتَبَه ببنانه.
وهذا حال أهل الجهل المركب. ومن أعرض عمَّا جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبيَّنه ولا عارضه بمعقولٍ أو رأيٍ فهو من أهل الجهل البسيط. وهو أصل المركب، فإن القلب إذا كان خاليًا من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرَّضًا لاعتقاد نقيضه والتصديق به، لا سيما في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسماها. وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وأجرى إليها المتسابقون. فإلى نحوها تمتد الأعناق، وإليها القلوب الصحيحة بالأشواق، فالصادقون فيها أهل الإثبات أئمة الهدى، كإبراهيم خليل الرحمن وأهل بيته، والكاذبون فيها أهل النفي والتعطيل، كفرعون وقومه.
وقال تعالى في أئمة الهدى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ١ أَىمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: ٢٤]. وقال في أئمة الضلال:
فمن لم يكن فيها على طريق أئمة الهُدى كان على طريق أئمة الضلال، إذ كان ثغر قلبه مفتوحًا١ لهم يلقون فيه أنواع الضلال، ويصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.
ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه التقصير في إظهار السُّنَّة والهُدى، فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل التعطيل والنفي في توحيد الله وأسمائه وصفاته كان من أعظم أسبابه التقصير في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه وآياته، حتى إن كثيرًا من المنتسبين إلى السُّنَّة يعتقدون أن طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ النصوص والإعراض عن تدبُّر معانيها وفقهها وتعقلها، فلما أفهموا النُّفاة والمعطلة أن هذه طريقة السلف قال من قال منهم: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. لأنه اعتقد أن طريقة الخلف متضمنة لطلب معاني نصوص الإثبات، ولنفي حقائقها وظاهرها٢ الذي هو باطل عنده، فكانت متضمنة للعلم والتنزيه، وكان فيها علم بمعقولٍ وتأويل لمنقولٍ، ومذهب السلف عنده عدم النظر في النصوص وفهم المراد منها لتعارض٣ الاحتمالات. وهذا عنده أسلم؛ لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معانٍ فحَمْله على بعضها دون بعض مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة.
(١) «ح»: «مفسوحًا».
(٢) «ح»: «ظواهرها».
(٣) «ح»: «التعارض». والمثبت من «درء التعارض» (٥/ ٣٧٨).