الصواعق المرسلة

فتضمنت هذه الكلمة إثبات صفات الكمال الذي أثبته لنفسه١، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل، وأنَّ ما وصف به نفسه فهو الذي يوصف به، لا ما وصفه به٢ الخلق، ثم قال: «والحمد لله الذي لا يُؤدَّى شكرُ نعمةٍ من نعمه إلَّا بنعمةٍ منه تُوجب على مُؤدِّي شكرِ ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً يجب عليه شكرُه بها»٣. فأثبت في هذا القدر أنَّ فِعل الشكر إنَّما هو بنعمته على الشاكر، وهذا يدل على أنه ﵀ مثبتٌ للصفات والقدر.

وعلى ذلك درَجَ يَزَكُ٤ الإسلام والرعيل الأول، ثم فَرَق على أثرهم التابعون٥، وتَبِعهم على منهاجهم اللاحقون، يوصي بها الأولُ الآخِرَ، ويقتدي فيه اللاحقُ بالسابق، وهم في ذلك بنبيهم مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. فـ ﴿مَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ إن كان عطفًا على الضمير في ﴿أَدْعُوا

  1. (١) «ح»: «لرؤيته».
  2. (٢) «به». سقط من «ح».
  3. (٣) «الرسالة» (ص ٧ - ٨).
  4. (٤) «ح» يزل. باللام، واليزك: كلمة فارسية معناها حرس الطليعة. «تكملة المعاجم العربية» (١١/ ١١٨) وقد استعملها المصنِّف - رحمه الله تعالى - في «النونية» وبيَّن معناها فقال:
    ٢٤٣٧ قومٌ أقامهم الإلهُ لحفظ هذا الـ ... ـدين من ذي بدعةٍ شيطانِ
    ٢٤٣٨ وأقامهم حرسًا من التبديل ... والتحريف والتتميم والنقصانِ
    ٢٤٣٩ يَزَك على الإسلام بل حصن له ... يأوي إليه عساكر الفرقان
  5. (٥) أي: فزعوا ومضوا على أثرهم، ينظر «زاد المعاد» للمصنِّف (٣/ ٨٦٤).
8

إِلَى اَللَّهِ﴾ فهو دليلٌ أنَّ أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان عطفًا على الضمير المنفصل فهو صريح أنَّ أتباعَه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون من عداهم١. والتحقيق أن العطف يتضمَّنُ المعنيين، فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون إلى الله.

وقد شهِد سبحانه لمن يرى أن ما جاء به من عند الله هو الحقُّ لا آراء الرجال بالعلم، فقال تعالى: ﴿وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ٢١]. فمن تعارَضَ عنده حقائقُ ما جاء به وآراء الرجال، فقدَّمها عليه أو٢ توقَّف فيه، أو قدحت في كمال معرفته وإيمانه به؛ لم يكن من الذين شَهِد الله لهم بالعلم، ولا يجوز أن يُسمَّى بأنه من أهل العلم.

فكيف يكون الداعي إلى الله على بصيرةٍ - الذي وصفه الله بأنه سراجٌ منيرٌ٣، وبأنه هادٍ إلى صراطٍ مستقيم٤، وبأنَّ من اتبع النور الذي أنزل معه فهو المفلح لا غيره٥، وأنَّ من لم يُحَكِّمْه في كل ما ينازع فيه المتنازعون

  1. (١) ذكَر القولين في تفسير الآية: الواحدي في «البسيط» (١٢/ ٢٦٣)، والبغوي في «معالم التنزيل» (٤/ ٢٨٤).
  2. (٢) «ح»: «إذا».
  3. (٣) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اَللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
  4. (٤) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٩].
  5. (٥) في قوله تعالى: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاَتَّبَعُوا اُلنُّورَ اَلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي