الصواعق المرسلة

نحترمه١ بالإمساك والتفويض، أو نُسلط عليه التأويل إن٢ أَفهَمَ الخلاف والضد والنقيض. فإن عجزنا عن ذلك أتينا بالقانون المشهور بيننا والمقبول: أنه إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا المعقول على المنقول. فهذا حقيقة قول هؤلاء النُّفاة المعطلين في كلام ربِّ العالمين وكلام رسوله الأمين.

الوجه الثامن والمائة: أن هذا يتضمن الصدَّ عن آيات الله وبغيها عوجًا. وقد ذمَّ الله سبحانه مَن فعل ذلك، وتوعَّده بأليم العقاب؛ فقال: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ ١ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ ٢ اِللَّهِ اِلَّذِي لَهُ مَا فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي اِلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٣ اِلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيا عَلَى اَلْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١ - ٤]. [ق ٨٣ ب] وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اُلْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ اِلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ ١٨ اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ١٩].

وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة: الكذب على الله، والصد عن سبيل الله، وبَغْيها عوجًا.

أمَّا الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، ووصفوه بما لم يصف به نفسه.

وأمَّا صدهم عن سبيله وبغيها عوجًا فإنهم أفهموا الناس بل صرَّحوا لهم

  1. (١) «ح»: «نحرمه».
  2. (٢) «ح»: «وإن».
751

بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تُفيد علمًا ولا يقينًا، وأن العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها. وأيُّ عِوَج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح؟! وقد وصف الله كتابه بأنه غير ذي عوجٍ، ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك، وأنهم هم الكاذبون.

فإن قلت: بغى يبغي١ يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، فما وجه انتصاب «عِوَجًا»؟

قيل: فيه وجوهٌ:

أحدها: أنه نصب على الحال، أي: يطلبونها ذات عوجٍ، لا يطلبونها مستقيمة، والمعنى يطلبون لها العوج٢.

الثاني: أن «عوجًا» مفعول «يبغونها» على تقدير حذف اللام، أي: يطلبون لها عوجًا، يرمونها به، ويصفونها به٣.

وأحسن منهما أن تُضمَّن «يبغونها» إمَّا معنى يعوجونها، فيكون «عوجًا» منصوبًا على المصدر، ودلَّ فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. وإمَّا معنى يسومونها ويُولونها.

وعلى كل تقديرٍ فسبيل الله: هداه وكتابه الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد. فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد بغاه عوجًا، ودعا إلى الصدِّ

  1. (١) «ح»: «بغا لهما».
  2. (٢) وهو قول الزجاج في «معاني القرآن» (٣/ ١٤٥).
  3. (٣) ذكر هذين القولين الواحدي في «البسيط» (٥/ ٤٥٦ - ٤٦٠) ومكي بن أبي طالب في «الهداية» (٥/ ٣٧٧١) وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٢٢).
752

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي