الصواعق المرسلة

فيؤمن بهذا وهذا إيمانًا مجملًا، ويُصدِّق الطائفتين، ولا يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء.

فإذا سمع القرآن والحديث قال: هذا كلام الله وكلام رسوله. وإذا سمع كلام الملاحدة والمعطلة الذين حَسُنَ ظنه بهم قال: هذا كلام العارفين المحققين والنُّظارِ أصحاب العقول والبراهين. وإذا سمع كلام الاتحادية الملاحدة الذين هم أكفر طوائف بني آدم قال: هذا كلام أولياء الله أو كلام خاتم الأولياء، ومرتبتنا تقصر عن فهمه، فضلًا عن الاعتراض عليه.

وبالجملة فلِرسول الله ﷺ أتباع خاصة وعامة، ولمسيلمة الكذاب أتباع خاصة وعامة، والله تعالى جعل للهدى أئمة وأتباعًا إلى آخر الدهر، وللضلال أئمة وأتباعًا إلى آخر الدهر.

الوجه الحادي عشر بعد المائة: أن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام، وهي من أعظم الكفر والإلحاد، وبطلان اللازم يستلزم بطلان ملزومه، فإن من لوازمه ألَّا يُستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علمٌ ولا هُدًى ولا بيان للحق في نفسه.

ومن لوازمه أن يكون كلامه متضمنًا١ لضدِّ ذلك، ظاهرُه وحقيقته.

ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته، أو في فصاحته وبيانه، أو في نصحه وإرادته، كما تقدم تقريره مرارًا.

ومن لوازمه أن يكون المعطلة النُّفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو أنصح.

ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرُّسل قد قصَّر في هذا

  1. (١) «ح»: «مضمونًا». والمثبت من «م».
758

الباب غاية التقصير، بل أَفرَطَ في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط، وتنوَّع فيه غاية التنوع:

فمرةً يقول: أين الله١؟ ومرةً يُقرُّ عليها لمن سأله ولا ينكرها٢.

ومرةً يشير بإصبعه٣، ومرةً يضع يده على عينه وأذنه حين يُخبر عن سمع الربِّ وبصره٤.

ومرةً يصفه بالنزول٥ والمجيء والإتيان٦ والانطلاق٧

  1. (١) لفظ الجلالة ليس في «ح»، وأثبته من «م». والحديث أخرجه مسلم كما تقدم (ص ١٢٤).
  2. (٢) في حديث أبي رزين العقيلي، تقدم تخريجه (ص ٥٨٦).
  3. (٣) في حديث جابر في حجة الوداع، تقدم تخريجه (ص ٤٢٦).
  4. (٤) في حديث أبي هريرة، تقدم تخريجه (ص ١٨٢ - ١٨٣).
  5. (٥) أحاديث النزول متواترة، وتقدمت الإشارة إليها (ص ١٧٧).
  6. (٦) مجيء الرب سبحانه وإتيانه ثابتان في القرآن الكريم، وقد تقدمت الإشارة إلى الآيات (ص ٧٢٥).
  7. (٧) هذا لفظٌ غريبٌ في صفات الله تعالى، وقد جاء في أثر جابر بن عبد الله ﵄ قال: «فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه ...». أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٩١) هكذا موقوفًا. قال المصنِّف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (١/ ٦٥ - ٦٦): «وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا وذلك؛ يفتح لك بابًا من أسرار التوحيد وفهم القرآن، ومعاملة الله ﷾ لأهل توحيده الذين عبدوه وحدهم ولم يشركوا به شيئًا، هذه المعاملة التي عامل بمقابلها أهل الشرك، حيث ذهبت كل أمةٍ مع معبودها؛ فانطلق بها، واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرَّت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم».
759

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي